بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي – كاتب ومؤلف
في كل مجتمعٍ يسعى إلى بناء دولة عادلة، يقف الموظف العام في موقعٍ حساس، فهو ليس مجرد فردٍ يؤدي عملاً وظيفياً، بل هو حاملٌ لرسالة مزدوجة تجمع بين التكليف الشرعي والواجب القانوني. إن الوظيفة العامة في جوهرها ليست امتيازاً شخصياً، وإنما هي عهدٌ بين الإنسان وربه أولاً، ثم بينه وبين المجتمع الذي أولاه الثقة. ومن هنا تتجلى أهمية النظر إلى واجبات الموظف من زاويتين متكاملتين: زاوية الشريعة التي تجعل الأمانة والعدل أساساً لكل عمل، وزاوية القانون الذي يضع الضوابط والإجراءات لضمان حسن الأداء وخدمة المواطنين.
لقد أكدت الشريعة الإسلامية أن الوظيفة تكليف قبل أن تكون تشريفاً، فهي أمانة في عنق الموظف، يُسأل عنها أمام الله يوم القيامة. فالأمانة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي مبدأ وجودي يحدد علاقة الإنسان بالآخرين، ويجعل من الوظيفة ساحةً لتجسيد الصدق والعدل وحفظ الحقوق. ومن يفرّط في هذه الأمانة، إنما يفرّط في جوهر الدين ذاته، لأن النصوص الشرعية ربطت بين خيانة الأمانة وضياع المجتمع.
أما القانون، فقد جاء ليترجم هذه القيم إلى قواعد عملية، تُلزم الموظف بالانضباط واحترام التعليمات وحسن التعامل مع المواطنين. فالقانون لا يكتفي بالوعظ، بل يضع الجزاءات والعقوبات لضمان أن تبقى الوظيفة أداةً لخدمة الناس لا وسيلةً لاستغلالهم. وهكذا يصبح الموظف أمام مسؤولية مزدوجة: أن يلتزم بروح الشريعة التي تدعوه إلى الصدق والإخلاص، وأن يلتزم بنص القانون الذي يحدد له واجباته بدقة ويحاسبه على تقصيره.
إن التوازن بين هذين البعدين هو ما يصنع صورة الموظف المثالي. فحين يعي الموظف أن عمله عبادة، وأن خدمة الناس بابٌ من أبواب القرب إلى الله، فإنه يؤدي واجباته بروحٍ صادقة، بعيداً عن التهاون أو التلاعب. وحين يدرك أن القانون يراقب سلوكه ويحاسبه على كل إخلال، فإنه يلتزم بالانضباط والجدية، ليجتمع البعدان في شخصية واحدة تعكس صورة الدولة العادلة.
ولعل من أبرز الواجبات التي تلتقي فيها الشريعة والقانون: حفظ المال العام، احترام الوقت، حسن معاملة المواطنين، الالتزام بالنزاهة، والابتعاد عن المحاباة والفساد. فهذه الواجبات ليست مجرد تعليمات إدارية، بل هي قيمٌ شرعية وقانونية في آنٍ واحد، تجعل من الموظف ركناً أساسياً في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن الموظف الذي يدمج بين الأمانة الشرعية والمسؤولية القانونية، يصبح رمزاً للإصلاح، ويجسد في سلوكه اليومي معنى التكليف والالتزام. فهو لا ينظر إلى وظيفته كوسيلة للرزق فقط، بل كرسالة إصلاحية تساهم في بناء مجتمعٍ متماسك، يثق أفراده بمؤسساته ويشعرون أن القانون والشريعة معاً يحميان حقوقهم ويصونان كرامتهم.
وفي النهاية، يبقى الموظف هو المرآة التي تعكس صورة الدولة أمام مواطنيها. فإذا كان أميناً ملتزماً، شعر الناس أن دولتهم عادلة، وإذا كان مهملاً أو فاسداً، اهتزت ثقة المجتمع بمؤسساته. ومن هنا فإن واجبات الموظف ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي حياة يومية تُترجم في كل موقفٍ وسلوك، لتبقى الوظيفة العامة رسالةً أخلاقية وقانونية، تحمل في طياتها معنى الأمانة والعدل، وتؤكد أن خدمة الناس هي أسمى صور العبادة وأرقى أشكال المسؤولية.