د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن تظاهرون و تفادوهم “ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (البقرة 85) ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا. ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار. وما الله بغافل عما تعملون. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قال تعالى: “أفتؤمنون ببعض الكتاب” (البقرة 85) وهو الفداء “وتكفرون ببعض” (البقرة 85) وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة، “فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ” هوان وذلّ “في الحياة الدنيا” وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية “ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافلِ عما يعملون” بالياء والتاء.
وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن تظاهرون و تفادوهم “ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (البقرة 85) “أفتؤمنون ببعض الكتاب” (البقرة 85) الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي فتصدقون به فتفادون أسراكم من أيدي عدوهم “وتكفرون ببعض” وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم وقومكم وتخرجونهم من ديارهم وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم لعهدي وميثاقي واختلف فيمن عنى بهذه الآية فروى عكرمة عن ابن عباس أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وكانت قريظة مع الأوس فإذا اقتتلوا عاونت كل فرقة حلفاءها فإذا وضعت الحرب أوزارها فدوا أسراها تصديقا لما في التوراة والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا نارا ولا قيامة ولا كتابا فأنبأ الله تعالى اليهود بما فعلوه وقال أبو العالية كان بنو إسرائيل إذا استضعف قوم قوما أخرجوهم من ديارهم وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم وأخذ عليهم الميثاق أن أسر بعضهم بعضا أن يفادوهم فأخرجوهم من ديارهم ثم فادوهم ف آمنوا بالفداء ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوهم وقيل ليس الذين أخرجوهم الذين فودوا ولكنهم قوم آخرون على ملتهم فأنبهم الله تعالى على ذلك. وقال أبو مسلم الأصبهاني ليس المراد بقوله “أفتؤمنون” (البقرة 85) الآية أنهم يخرجون وهو محرم ويفدون وهو واجب وإنما يرجع ذلك إلى بيان صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وغيره وقوله “فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا” (البقرة 85) اختلف في الخزي الذي خزاهم الله إياه بما سلف منهم من المعصية فقيل هو حكم الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلّم من أخذ القاتل بمن قتل والقود به قصاصا والانتقام من الظالم للمظلوم وقيل بل هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على ذمتهم على وجه الذل والصغار وقيل الخزي الذي خزوا به في الدنيا هو إخراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بني النضير من ديارهم لأول الحشر وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم وكان ذلك خزيا لهم في الدنيا ثم أعلم الله سبحانه أن ذلك غير مكفر عنهم ذنوبهم وأنهم صائرون بعده إلى عذاب عظيم فقال “ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب” (البقرة 85) أي إلى أشد العذاب الذي أعده الله لأعدائه وهو العذاب الذي لا روح فيه مع اليأس من التخلص “وما الله بغافل عما تعملون” أي وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة بل هو حافظ لها ومجاز عليها ومن قرأه بالتاء رده إلى المواجهين بالخطاب في قوله “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” (البقرة 85) ومما يسأل في هذه الآية أن ظاهرها يقتضي صحة اجتماع الإيمان والكفر وذلك مناف للصحيح من المذهب والقول فيه أن المعنى أنهم أظهروا التصديق ببعض الكتاب والإنكار للبعض دون بعض وهذا يدل على أنهم لا ينفعهم الإيمان بالبعض مع الكفر بالبعض الآخر وفي هذه الآية تسلية لنبينا صلى الله عليه وآله وسلّم في ترك قبول اليهود قوله وانحيازهم عن الإيمان به فكأنه يقول كيف يقبلون قولك ويسلمون لأمرك ويؤمنون بك وهم لا يعملون بكتابهم مع إقرارهم به وبأنه من عند الله تعالى.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى: “وإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وهُومُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” (البقرة 85). والذي كفروا به هو النهي عن القتل، والتظاهر بالإثم والعدوان، والإخراج من الديار، والذي آمنوا به هو الفداء من الأسر وهذا عين اللعب والاستهزاء بالدين. وتسأل: ان المحرم عليهم هو القتل والتظاهر والإخراج، فلما ذا ذكر اللَّه سبحانه خصوص الإخراج في هذه الآية؟. الجواب: أجل، انها جميعا محرمة، ولكن اللَّه خص الإخراج بالذكر ثانية لتأكيد التحريم لأن شر الإخراج من الديار يطول ويمتد بخلاف القتل على حد تعبير بعض المفسرين. ” فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا” (البقرة 85). يطلق الجزاء على الخير والشر، ومن الأول قوله تعالى: “وجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيراً” (الانسان 12). ومن الثاني: “فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها” (النساء 93). والخزي الفضيحة والعقوبة.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى: “أفتؤمنون ببعض الكتاب” (البقرة 85)، أي ما هو الفرق بين الإخراج والفدية حيث أخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الإخراج وهما جميعا في الكتاب، أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ” (البقرة 85). فهم يفادونهم استناداً إلى أوامر التوراة، بينما يشردونهم ويقتلونهم خلافاً لما أخذ الله عليهم من ميثاق: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض” (البقرة 85)؟ ومن الطبيعي أن يكون هذا الإنحراف سبباً لانحطاط الإِنسان في الدنيا والآخرة: “فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ”. وإنحرافات أيّة أُمة من الأمم لابدّ أن تعود عليها بالنتائج الوخيمة، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أحصاها عليهم بدقّة: “وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ”.