عندما يحكم صدام من قبرة البطاقة الحمراء انمؤذجاً

عندما يحكم صدام من قبره.. “البطاقة الحمراء” أنموذجاً….
علي قاسم الكعبي
منذ الأيام الأولى للتغيير، قرأ المختصون أن النظام السياسي الذي أُسس على أنقاض الدبابة مبتعدٌ عن الشعب ويسير نحو الهاوية؛ ليس رجماً بالغيب، بل عبر تحليل دقيق لواقعٍ أهمل “الإنسان” الذي صمد في الداخل، وأكل النخالة، ونام ليالي وأياماً وجوفه خالية وأحشاؤه تتمزق من الخوف والجوع، وكان حلمه الأكبر: كيف يحصل على رغيف الخبز؟!
لقد ساد وهمٌ ظالم اعتبر كل من بقي في العراق خائناً أو متعاوناً، بينما الحقيقة أن التضحية الحقيقية نبتت في أرضنا وبين أزقتنا، ومن رحم المعاناة ولدت المواقف. إن أصحاب “البطاقة الحمراء” هم الدليل الأكبر على هذا الجحود؛ هؤلاء الأبطال الذين رفضوا الانضمام لجيش السلطة وهو يسحق “الانتفاضة الشعبانية المقدسة” عام 1991،ويضرب قبة الامام “علي”ع. وابنائة الامام الحسين والعباس عليهما السلام ورفضوا أن يكونوا أدوات في جريمة “غزو الكويت”، واجهوا جبروت البعث بصدور عارية ومواقف صلبة.
كانت عقوبتهم آنذاك ما يمكن تسميته بـ “الإعدام المدني”؛ عبر بطاقة حمراء لم تكتفِ بحرمانهم من التعيين ومنعهم من السفر، بل امتدت لتسحق كيانهم الأسري. وصل بطش النظام الاجرامي إلى منع هؤلاء من تسجيل عقود زواجهم، بل والأدهى من ذلك، منع تسجيل أبنائهم بأسماء آبائهم الحقيقيين في السجلات الرسمية! هذا الإجراء التعسفي خلق قنابل موقوتة ومشاكل اجتماعية معقدة، وضياعاً لحقوق الورثة، بعد أن اضطر البعض لتسجيل أبنائهم بأسماء مستعارة أو أسماء أقاربهم للهروب من الملاحقة، وما زالوا حتى اليوم يعانون من تبعات هذا “التزوير القسري” الذي فرضه الظلم.
المصيبة الكبرى اليوم هي أن “روح صدام” المجرم وقراراته ما زالت تحكم هذه الشريحة! فبعد خمس دورات برلمانية، ما زال مجلس النواب عاجزاً عن إنصافهم، وما يزال هؤلاء الأبطال يُعاملون -قانونياً- كمطرودين أو هاربين وفق تشريعات النظام المقبور، ويُحرمون من أبسط حقوق المواطنة والتعويض. فبرغم حصولهم على التعيين مؤخراً، إلا أن أعمارهم باتت كبيرة وهم على أبواب التقاعد، حيث سيحالون للتقاعد بخدمة قليلة جداً، بل إن خدمتهم العسكرية لا تُحتسب بحجة أن القيد الجنائي ما زال قائماً رغم هلاك صدام منذ أكثر من 22 عاماً!

والغريب أن أحزاب السلطة شرعت لنفسها قرار “الخدمة الجهادية” وما أسرع تنفيذه! وهنا نتساءل: هل إلغاء قرار صدام أمرٌ مستصعب، أم ليس هناك من شجاع يتصدى له؟
إن بقاء هذا الملف على الرفوف دون حل هو إدانة صارخة للنظام الحالي بكل مؤسساته؛ فالدولة التي تعجز عن حماية من رفضوا الظلم هي دولة تكافئ الجلاد وتجلد الضحية مرتين. أصحاب البطاقة الحمراء هم “شهداء مع إيقاف التنفيذ”، وإنصافهم وتصحيح أوضاع عوائلهم القانونية هو الاختبار الأخير لما تبقى من مصداقية وكرامة في العمل السياسي.