برنامج همم .. منصةٌ لإحياء القدوات وبناء الوعي

برنامج همم .. منصةٌ لإحياء القدوات وبناء الوعي

بقلم الدكتور سعد الحلبوسي

ازدحمت الشاشات في زماننا بالمحتويات الاستهلاكية والبرامج العابرة، لكن في الإعلام العراقي والعربي تجارب مضيئة تعيد للكلمة قيمتها، وللإعلام رسالته السامية بوصفه أداةً لبناء الوعي وصناعة الإنسان، ومن بين هذه النوافذ المشرقة يطلّ “برنامج همم” عبر قناة ديوان الفضائية ليقدّم للمشاهد العربي مادة فكرية ودعوية رصينة تؤكد أن الأمة ما زالت ولّادة بالطاقات وأن أصحاب العزائم الحقيقية لا يغيبون عن المشهد وإن غابوا أحيانًا خلف ضجيج الحياة اليومية.

ولا يمكن قراءة نجاح هذا البرنامج بمعزل عن شخصية مقدّمه صاحب الهمم العالية “الإعلامي مصعب الجبوري” الذي لا يتعامل مع الحلقات بوصفها مساحة لطرح أسئلة تقليدية معدّة مسبقًا، بل يبدو جزءًا أصيلًا من روح البرنامج وفلسفته ورؤيته، فينعكس شغفه بالقضايا التي يناقشها في إبداع مميز وطريقته الهادئة في إدارة الحوار واحترامه العميق لضيوفه وتجاربهم، وهذا النجاح الواضح والانسجام بين شخصية المحاور ورسالة البرنامج الذي منحه مصداقية استثنائية، فتحولت الحلقات من لقاءات تلفزيونية إلى شهادات إنسانية ودعوية تحمل بعدًا تربويًا وفكريًا مؤثرًا.

ولما انطلق “برنامج همم” كانت فلسفته واضحة المعالم، حيث تتمثل في البحث عن القدوات الحقيقية بعيداً النماذج المصطنعة، فهو يستضيف شخصيات تركت أثرًا ملموسًا في ميادين الدعوة والإصلاح الاجتماعي والتوجيه الفكري ممن أفنوا أعمارهم في غرس القيم وتوجيه الطاقات وبناء الإنسان.

وتكمن أهمية هذه الاستضافات في أنها تقدم للشباب “النموذج العملي” لا التنظير المجرد؛ فعندما يستمع المشاهد إلى قصة عالم أو مصلح واجه الصعاب وتحمل المشاق من أجل فكرته، وظل متمسكًا بثوابته رغم التحديات، فإن ذلك يبعث في النفس روح الأمل ويوقظ العزائم الخاملة، فيتحول البرنامج من نافذة إعلامية إلى مدرسة تربوية متنقلة تبث الوعي وترسّخ الهوية وتعيد الثقة بقيمة الرسالة والإصلاح.

ومن أهم ما يميز البرنامج هو لغة الإعلامية البعيدة عن الإثارة الرخيصة أو السطحية التي أصبحت سمةً لكثير من البرامج المعاصرة، فيبدو الاعلامي المبدع الاستاذ مصعب الجبوري وهو يدير الحوار بهدوء وذكاء، متنقلًا بسلاسة بين المحطات الشخصية والتجارب الدعوية والفكرية لضيوفه بما يمنح المشاهد صورة بانورامية متكاملة عن مسيرة الضيف وإنجازاته.

وهذا الأسلوب الحواري يفرض على المشاهد نمطًا من الاستماع الواعي؛ إذ تُصاغ الأسئلة بعناية لتستخرج عمق التجربة وخلاصة الحكمة بدل الانشغال بالسجالات العقيمة أو الإثارة المؤقتة، وقد تميز هذا التوازن في جعل البرنامج محل احترام لدى النخب الثقافية والدينية وفي الوقت ذاته قريبًا من وجدان الجمهور الباحث عن الكلمة الصادقة والقدوة الحسنة.

وتتجلى القيمة الحقيقية لـ “برنامج همم” في قدرته على ربط الماضي بالحاضر واستحضار التجارب الدعوية والإصلاحية بوصفها مصدر إلهام للأجيال الجديدة، لأنّ الشخصيات المستضافة تحمل تاريخًا طويلًا من العمل والتأثير، ونقل هذه التجارب عبر شاشة قناة ديوان الفضائية يمثل نوعًا من التوثيق الحي لمسيرة الإصلاح في المجتمع ويحفظ ذاكرة العمل الدعوي من النسيان أو التهميش.

كما تجاوز أثر البرنامج حدود البث التلفزيوني التقليدي، إذ تحولت كثير من مقاطعه إلى مواد ملهمة تتداولها منصات التواصل الاجتماعي وهذه دلالة واضحة على تعطّش الجمهور للمحتوى الهادف الذي يخاطب العقل والوجدان معًا، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي السائد.

وبتقديري الشخصي فإنّ “برنامج همم” مع الإعلامي المبدع “مصعب الجبوري” يعد نموذجًا راقيًا للإعلام الملتزم الذي يجمع بين المهنية والرسالة، ولذلك أثبت البرنامج أن الرصانة لا تعني الجفاف وأن المحتوى الفكري والدعوي قادر على أن يكون جاذبًا ومؤثرًا متى ما توفرت له النية الصادقة والرؤية الواضحة والأدوات الاحترافية.

إن استمرار هذا المشروع الإعلامي عبر قناة ديوان الفضائية يمثل ثغرًا مهمًا في معركة الوعي الفكري والأخلاقي ورسالة متجددة لكل متابع بأن ينهض بهمته ويترك أثرًا نافعًا في مجتمعه، تمامًا كما فعل أولئك الرجال الذين تضيء حكاياتهم شاشة البرنامج وتبقى عزائمهم شاهدة على أن الأمم لا تُبنى إلا بأصحاب الهمم العالية.