بقايا دبابات الجيش العراقي في الكويت
إيهاب مقبل
في الثاني من أغسطس آب عام 1990، غزا الجيش العراقي الكويت في قرار غيّر مسار المنطقة العربية، وأدى إلى حرب الخليج الثانية عام 1991 ثم سنوات طويلة من العقوبات التي انتهت بحرب الخليج الثالثة وسقوط نظام صدام حسين عام 2003. لكن التاريخ البديل يطرح سؤالًا مهمًا: ماذا لو اختار صدام حسين غزو سوريا الأسد بدلًا من الكويت؟
إن طرح هذا السيناريو لا يعني بأي شكل تأييد الغزو أو تبرير انتهاك سيادة الدول، فاحترام استقلال الدول ووحدة أراضيها هو أساس الاستقرار الدولي. وإنما الهدف هو دراسة احتمال تاريخي افتراضي وفهم كيف كان يمكن أن تتغير موازين القوى في المنطقة لو اتخذ العراق قرارًا مختلفًا.
لفهم هذا الاحتمال، يجب أولًا فهم دوافع غزو الكويت، إذ إن العامل الأساسي لم يكن خلافًا تاريخيًا أو حدوديًا، بل كان مرتبطًا بالأزمة الاقتصادية التي واجهها العراق بعد حرب الخليج الأولى 1980 – 1988، والديون التي تجاوزت 80 مليار دولار، ورغبة القيادة العراقية في السيطرة على موارد نفطية ومالية تساعدها على تجاوز تلك الأزمة.
ومن هنا يأتي السؤال: كيف كان يمكن أن يتغير وضع المنطقة العربية لو توجه الجيش العراقي نحو سوريا بدلًا من الكويت؟
العراق بعد حرب الخليج الأولى: أزمة الديون والبحث عن مخرج
عندما انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، خرج العراق من واحدة من أطول الحروب في القرن العشرين وهو يمتلك جيشًا ضخمًا وخبرة عسكرية كبيرة، لكنه خرج أيضًا باقتصاد منهك وبنية تحتية متضررة وديون هائلة تجاوزت 80 مليار دولار.
كانت معظم هذه الديون مستحقة لدول الخليج التي دعمت العراق خلال حربه مع إيران، وعلى رأسها الكويت والسعودية. وكان صدام حسين يرى أن العراق خاض حربًا دفاعية عن العالم العربي في مواجهة الثورة الإيرانية، ولذلك اعتقد أن الدول الخليجية يجب أن تساعده في مرحلة ما بعد الحرب، إما بإلغاء الديون أو بتقديم دعم اقتصادي إضافي.
لكن الواقع كان مختلفًا، فقد رفضت الكويت والسعودية هذه المطالب، وبدأت الخلافات بين بغداد والكويت تتصاعد، خصوصًا حول إنتاج النفط وسياسة منظمة أوبك. فقد اتهم العراق الكويت بزيادة إنتاجها النفطي بما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وتقليل عائدات العراق، في وقت كان فيه الاقتصاد العراقي بحاجة ماسة إلى موارد مالية لإعادة البناء.
لهذا أصبحت الكويت في حسابات القيادة العراقية تمثل فرصة اقتصادية هائلة، فهي دولة صغيرة يسهل السيطرة عليها وذات احتياطيات نفطية ضخمة، وتمتلك أصولًا مالية واستثمارات خارجية بمليارات الدولارات. وبالتالي فإن السيطرة عليها كانت، من وجهة نظر صدام حسين، وسيلة للخروج من الأزمة المالية وإعادة العراق إلى موقع القوة.
غزو الكويت من أجل النفط
بعد الغزو العراقي للكويت، حاول النظام العراقي تقديم مبررات سياسية وتاريخية للقرار، مثل الحديث عن الروابط التاريخية بين الكويت والعراق أو الادعاء بأن الحدود الحديثة كانت نتيجة ترتيبات استعمارية.
لكن هذه الأسباب لم تكن العامل الأساسي الذي أدى إلى الغزو. فالخلافات الحدودية بين العراق والكويت كانت موجودة منذ عقود، لكنها لم تؤدِ إلى محاولة ضم الكويت عسكريًا قبل عام 1990. كما أن الكويت كانت من الدول التي دعمت العراق ماليًا وسياسيًا خلال الحرب العراقية الإيرانية.
لذلك فإن الدافع الرئيسي للغزو كان اقتصاديًا واستراتيجيًا بالدرجة الأولى: التخلص من أزمة الديون، السيطرة على ثروة نفطية ضخمة، والحصول على موارد مالية تمكن العراق من تجاوز آثار الحرب.
أما الخطاب التاريخي فقد ظهر بصورة أكبر كوسيلة لتبرير الغزو الغادر بعد اتخاذه، وليس باعتباره السبب الحقيقي وراءه.
لماذا كانت سوريا هدفًا محتملًا في سيناريو بديل؟
لو افترضنا أن صدام حسين اختار سوريا بدلًا من الكويت، فإن دوافعه ستكون مختلفة تمامًا. فسوريا لم تكن تمتلك الثروة النفطية أو الاحتياطيات المالية التي جعلت الكويت هدفًا مغريًا، لكنها كانت تمثل أحد أكبر الخصوم السياسيين للعراق.
فمنذ انقسام حزب البعث إلى جناحين في بغداد ودمشق، نشأ صراع طويل بين النظامين على قيادة المشروع الإشتراكي العربي. وتحولت العلاقة بين البلدين إلى منافسة وعداء سياسي رغم تشابه النظامين في الشعارات والأيديولوجيا.
وازداد هذا العداء خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما وقفت سوريا إلى جانب إيران ضد العراق، وأغلقت خط أنابيب النفط العراقي الذي يمر عبر أراضيها، وهو ما اعتبرته بغداد عملًا عدائيًا تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة.
لذلك فإن إسقاط نظام حافظ الأسد كان سيحقق لصدام حسين مكسبًا سياسيًا كبيرًا، فهو يتخلص من خصم قديم، وينهي المنافسة داخل حزب البعث، ويمنح بغداد فرصة للسيطرة على مركز مهم في العالم العربي.
كيف كان يمكن أن يبدأ الغزو؟
في عام 1990 كان الجيش العراقي من أقوى الجيوش في المنطقة، فقد امتلك أكثر من مليون جندي بين قوات عاملة واحتياط، وآلاف الدبابات والمدرعات والطائرات، كما اكتسب خبرة واسعة خلال ثماني سنوات من الحرب مع إيران.
أما الجيش السوري، فرغم قوته واعتماده على تسليح سوفيتي متطور، فإنه لم يكن يمتلك تجربة حرب شاملة طويلة مماثلة للعراق. لذلك فإن هجومًا عراقيًا واسعًا ومفاجئًا كان يمكن أن يحقق تقدمًا سريعًا.
وقد يكون الهدف الأول هو السيطرة على العاصمة دمشق وإسقاط حكومة حافظ الأسد. وإذا انهار النظام السوري بسرعة، فقد يجد العراق نفسه أمام فرصة لفرض حكومة موالية له.
لكن المشكلة الحقيقية كانت ستبدأ بعد الانتصار العسكري. فسوريا دولة كبيرة ذات تركيبة سياسية واجتماعية معقدة، والسيطرة على المدن والمؤسسات شيء، وإدارة بلد كامل شيء آخر.
العراق من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط
لو تمكن العراق من السيطرة على سوريا، فإن ميزان القوى في المنطقة العربية كان سيتغير بصورة كبيرة.
فالعراق كان سيصبح دولة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ويحصل على موانئ استراتيجية مثل اللاذقية وطرطوس. كما كان سيملك طرقًا إضافية لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، وهو أمر لطالما كان يمثل أهمية استراتيجية لبغداد.
كما كان سيصبح القوة العربية الأكبر في المشرق، جامعًا بين الموارد البشرية والعسكرية للعراق والموقع الجغرافي لسوريا.
وكان من الممكن أن يرى صدام حسين هذا الإنجاز باعتباره خطوة نحو تحقيق مشروع إشتراكي عربي تقوده بغداد، وتحويل العراق إلى القوة السياسية والعسكرية الأولى في المنطقة.
هل كان السوريون سيؤيدون العراق؟
قد يجد العراق في البداية بعض المؤيدين داخل سوريا، خصوصًا بين المعارضين لحكم حافظ الأسد، خاصة بعد الصراعات الداخلية التي شهدتها سوريا في الثمانينيات.
لكن وجود معارضة لنظام الأسد لا يعني بالضرورة قبول السيطرة العراقية. فمن المحتمل أن يتحول جزء كبير من السوريين إلى مقاومة ضد الوجود العراقي تستنزف قواته وموارده إذا أصبح الأمر احتلالًا مباشرًا.
ولهذا فإن العراق ربما كان قادرًا على إسقاط النظام السوري، لكنه كان سيواجه تحديًا أصعب في الحفاظ على السيطرة والاستقرار، رغم رفض معظم السوريين نظام حافظ الأسد.
بغداد وتل أبيب والقضية الفلسطينية
من أهم نتائج هذا السيناريو أن العراق كان سيصبح على حدود ما يسمى “إسرائيل” مباشرة عبر سوريا وهضبة الجولان.
وكان صدام حسين سيستخدم هذا الأمر لتعزيز صورته في العالم العربي، وربما يقدم نفسه كقائد قادر على مواجهة تل ابيب بعد توحيد بغداد ودمشق.
وربما كان سيعلن أن السيطرة على سوريا تمثل خطوة نحو استعادة الأراضي العربية المحتلة ودعم القضية الفلسطينية.
لكن امتلاك حدود مع الدولة الصهيونية لا يعني القدرة على تحقيق انتصار عسكري. ففي عام 1990 كانت تل ابيب تمتلك تفوقًا كبيرًا في التكنولوجيا العسكرية والقوة الجوية، إضافة إلى دعم أمريكي واسع. ولذلك فإن أي مواجهة مباشرة كانت ستصبح معقدة للغاية، وربما تؤدي إلى تدخل دولي واسع.
كيف كان سيكون موقف المجتمع الدولي؟
كان المجتمع الدولي سيرفض غزو سوريا كما رفض غزو الكويت، لأن احتلال دولة ذات سيادة يمثل انتهاكًا للقانون الدولي.
لكن طبيعة الرد الدولي ربما كانت ستختلف. فالكويت كانت مرتبطة مباشرة بأمن الخليج وإمدادات النفط العالمية، وهو ما جعل أمريكا الشمالية تشكل تحالفًا عسكريًا واسعًا لتحريرها.
أما سوريا، فرغم أهميتها الجيوسياسية، فلم تكن تمثل التهديد نفسه لسوق الطاقة العالمي. ولذلك ربما بدأ الرد الدولي بعقوبات وضغوط سياسية، قبل التفكير في تدخل عسكري.
موقف الاتحاد السوفيتي: الحليف القديم والمصالح الجديدة
كان الاتحاد السوفيتي لاعبًا مهمًا في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة، وكان العراق أحد أهم حلفائه منذ عقود. فقد زودت موسكو الجيش العراقي بكميات كبيرة من الأسلحة، وأقامت علاقات سياسية وعسكرية قوية مع بغداد.
لكن عام 1990 كان مختلفًا، فقد كان الاتحاد السوفيتي بقيادة ميخائيل غورباتشوف يعيش مرحلة تحول كبيرة، ويسعى إلى تحسين علاقاته مع واشنطن وإنهاء الحرب الباردة.
ولهذا لم تدافع موسكو عن العراق عندما غزا الكويت، بل أدانت الغزو ودعمت القرارات الدولية التي طالبت بانسحاب القوات العراقية.
أما في حال غزو سوريا، فكان الموقف السوفيتي سيكون أكثر تعقيدًا. فسوريا كانت حليفًا تقليديًا لموسكو، وتمتلك علاقات عسكرية قوية معها، كما كان للاتحاد السوفيتي وجود بحري في ميناء طرطوس السوري.
لذلك فإن سقوط نظام حافظ الأسد كان سيشكل ضربة كبيرة للنفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يدخل الاتحاد السوفيتي في مواجهة عسكرية مباشرة مع حليفه العراق، بسبب أزمته الداخلية واقتراب انهياره عام 1991.
وكان الاحتمال الأكبر أن تدين موسكو الغزو سياسيًا وتحاول حماية مصالحها في سوريا عبر الدبلوماسية، مع تجنب صدام مباشر مع واشنطن والغرب.
المشكلة الاقتصادية التي لن تختفي
رغم كل المكاسب السياسية والاستراتيجية التي كان يمكن أن يحققها العراق من السيطرة على سوريا، فإن المشكلة الأساسية التي دفعت صدام إلى التفكير بالتوسع كانت ستبقى قائمة.
فسوريا لم تكن تمتلك الثروة النفطية أو الاحتياطيات المالية الموجودة في الكويت، ولذلك فإن السيطرة عليها لن توفر للعراق الحل المالي الذي كان يبحث عنه.
بل ربما كان الاحتلال سيزيد العبء الاقتصادي، لأن العراق سيحتاج إلى تمويل إدارة دولة جديدة، وتأمينها عسكريًا، ومواجهة العقوبات الدولية المحتملة.
وهنا تظهر المفارقة: غزو سوريا كان يمكن أن يمنح العراق نفوذًا أكبر، لكنه لم يكن سيحل أزمة الديون التي تجاوزت 80 مليار دولار.
هل كان غزو سوريا أفضل من غزو الكويت؟
عند مقارنة الخيارين في إطار التاريخ البديل، يتبين أن سوريا كانت تمثل مكسبًا سياسيًا وجيوسياسيًا أكبر، بينما كانت الكويت تمثل مكسبًا اقتصاديًا مباشرًا. ولا يعني هذا أن أيًا من الخيارين كان مقبولًا أو مشروعًا، فاحتلال الدول واستخدام القوة العسكرية يبقى انتهاكًا لسيادة الدول، وإنما المقارنة هنا تهدف إلى فهم الحسابات التي ربما كانت تدور في ذهن القيادة العراقية آنذاك.
فلو تمكن العراق من السيطرة على سوريا، لكان قد حقق مكاسب استراتيجية مهمة، إذ كان سيحصل على منفذ واسع إلى البحر الأبيض المتوسط، وأراضٍ زراعية وموارد مائية إضافية، وسيطرة أكبر على حوض نهر الفرات، إلى جانب إسقاط أحد أبرز خصومه السياسيين، وإنهاء المنافسة مع دمشق داخل حزب البعث. كما كان سيصبح القوة المهيمنة في المشرق العربي، بامتداد جغرافي يصل من الخليج العربي إلى المتوسط.
لكن هذه المكاسب كانت ستأتي بتكلفة كبيرة، إذ كان العراق سيواجه احتمال مقاومة داخلية طويلة، وتحديات إدارة دولة كبيرة ومعقدة، إضافة إلى احتمال مواجهة ضغوط وعقوبات دولية، وربما تدخل عسكري من قوى إقليمية ودولية ترى في توسع العراق تهديدًا لتوازن القوى في المنطقة.
أما الكويت، فقد كانت تمثل بالنسبة لصدام حسين الخيار الأكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية، بسبب احتياطياتها النفطية الضخمة، وثروتها المالية الهائلة، وأصولها الخارجية التي كان يمكن أن تساعد العراق على تجاوز أزمته الاقتصادية بعد حرب طويلة ومدمرة مع إيران.
ولهذا فإن اختيار الكويت لم يكن قائمًا أساسًا على دوافع تاريخية أو بهدف معلن لتحرير فلسطين أو استعادة الجولان، بل كان مرتبطًا بحسابات اقتصادية واستراتيجية واضحة: السيطرة على النفط، الحصول على الموارد المالية، والتخلص من آثار حرب الخليج الأولى والديون التي تجاوزت 80 مليار دولار.
وبذلك يمكن القول إن سوريا كانت ستمنح العراق نفوذًا جيوسياسيًا أكبر، بينما كانت الكويت تقدم له الحل المالي الذي كان يبحث عنه في تلك المرحلة. وهذا يوضح أن العامل الاقتصادي كان عنصرًا مركزيًا في قرار غزو الكويت، أكثر من أي ادعاءات تاريخية أو شعارات سياسية ظهرت لاحقًا.
الخاتمة
يبقى سيناريو غزو سوريا بدلًا من الكويت جزءًا من التاريخ الافتراضي، ولا يمثل بأي شكل خيارًا مشروعًا أو مقبولًا، فاحترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة لفرض الإرادة السياسية هو أساس الاستقرار الدولي.
إن دراسة هذا السيناريو لا تهدف إلى تبرير أي غزو أو احتلال، وإنما إلى فهم القرارات التاريخية ونتائجها المحتملة. فقرار صدام حسين عام 1990 لم يكن نتيجة سبب تاريخي، بل كان نتيجة أزمة اقتصادية وسياسية معقدة، كان في مقدمتها تراكم الديون بعد حرب الخليج الأولى، والرغبة في السيطرة على موارد نفطية ومالية ضخمة.
ولو اختار صدام غزو سوريا بدلًا من الكويت، لربما تغير شكل الشرق الأوسط، أو المنطقة العربية، وربما أصبح العراق قوة تمتد من الخليج إلى المتوسط، لكنه كان سيواجه أزمات جديدة ومعارضة دولية واسعة.
وفي النهاية، يبقى العامل الاقتصادي هو المفتاح الأساسي لفهم غزو الكويت، فالنفط والمال والديون المتراكمة كانت المحركات الأكثر تأثيرًا في القرار العراقي، بينما استخدمت الادعاءات التاريخية والحدودية لاحقًا كغطاء سياسي لتبرير الغزو.
لقد كان غزو الكويت أحد أكثر القرارات تكلفة في تاريخ العراق والمنطقة، وأثبت أن استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية يؤدي غالبًا إلى نتائج تتجاوز حسابات أصحاب القرار، وتدفع الشعوب ثمنها لسنوات طويلة.
انتهى