تعليق وتأمل بلاغي وإيماني ​إ

▪️تعليق وتأمل بلاغي وإيماني
​إ
▪️ د محمد عبدالباري الجنيد

​إن التوقف عند آية سورة مريم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ يفتح أفقًا واسعًا في التذوق البياني والرسم التصويري للقرآن الكريم، ويمكن إيجاز اللفتات الجمالية في هذا المشهد من خلال المحاور التالية:
​1. التضاد البياني: بين «الوَفْد» و«الوِرْد»
​لا تكتمل روعة هذه الآية إلا بقراءة الآية التي تليها مباشرة:
​﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ۝ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾
​الفعل: قال في المتقين ﴿نَحْشُرُ﴾ (وهو جمع الشمل للإكرام)، بينما قال في المجرمين ﴿وَنَسُوقُ﴾ (والسوق يكون للدواب بقمط وزجر).
​الحالة: المتقون ﴿وَفْدًا﴾؛ والوفد هم الركبان المكرمون القادمون لضيافة ملوك، بينما المجرمون ﴿وِرْدًا﴾؛ أي كالإبل العطاش التي تُساق مشاةً إلى المشارب، لكن مشربهم النار.
​الغاية: المتقون يُسار بهم ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾، بينما المجرمون يُساقون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾.
​2. فلسفة الضيافة: المنعِم قبل النعيم
​في أعراف الكرم والوفادة، الشرف ليس في المكان (الحديث عن الجنة وأشجارها وثمارها)، بل في “المَزوُر” والشخص الذي تَقْدُم عليه.
​لم يقل “إلى الجنة”، لأن الجنة مخلوق، أما القرب فمن الخالق.
​حوّل القرآن الكريم رهبة يوم القيامة وهول الحشر في حق أهل التقوى من “يوم حساب ومساءلة” إلى “مهرجان استقبال ومقام ضيافة”.
​3. سر اختيار اسم «الرحمن»
​لم يقل “إلى الله” ولا “إلى الملك” ولا “إلى الجبار”؛ بل اختار ﴿الرَّحْمَنِ﴾:
​ليناسب حالة الأمان واللطف والإكرام التي تنزل على هذا الوفد.
​ليشعر المؤمن أن كل ما قدمه في الدنيا من طاعات لم يكن سوى مؤهّلات للدخول تحت ظل هذه الرحمة الواسعة التي تتجلى في أبهى صورها ذلك اليوم.
​4. البُعد الشعوري والتربوي
​هذه الآية تُعيد ترتيب دافعية العبادة في نفس المؤمن؛ فالعبادة ليست مجرد نجاة من عقاب، بل هي سعي وشوق للقاء ومجالسة الأبرار في وفادة الرحمن.
​خلاصة القول:
الهمسة اختزلت معنًى لطيفًا يُحيل الخوف الخالد من المستقبل إلى رجاء صادق، وشوق لليوم الذي يُقال فيه للمتقين: “أهلاً بوفد الله”.

​إن التوقف عند هذه الآية الكريمة من سورة مريم يفتح أفقًا واسعًا في التذوق البياني للقرآن الكريم؛ فالشرف في أعراف الكرم والوفادة ليس في “المكان” بل في “المَزوُر”.
​لم يقل سبحانه “إلى الجنة” لأن الجنة مخلوق، أما القرب فمن الخالق؛ فحُوِّل مشهد الحشر في حق أهل التقوى من موقف حساب ومساءلة إلى مهرجان استقبال ومقام ضيافة، واختير اسم (الرحمن) ليتناسب مع حالة الأمان واللطف الإلهي التي تغمر هذا الوفد المبارك.