بقلم الكاتبة/*عفاف فيصل صالح*
قال تعالى:-
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
يا رسول الله
كيف لي أن أكتب عنك؟ وكيف لقلمٍ ضعيفٍ أمام عظمتك أن يحمل نور سيرتك؟ وكيف لحروفٍ محدودة أن تصف من جعلك الله رحمةً للعالمين؟
أقف أمام ذكراك مبهورةً، تتزاحم الكلمات في صدري ثم تعجز عن الخروج، لأن الحديث عنك ليس حديثًا عن رجلٍ عظيم فحسب، بل حديثٌ عن أعظم نعمةٍ أشرق بها الوجود، وعن نورٍ أرسله الله ليبدد ظلمات الجهل، ويحيي القلوب، ويقيم ميزان الحق والرحمة والعدل.
يا سيدي يا رسول الله
في يوم مولدك لم يولد إنسان، بل أشرقت شمس الهداية، وتفتحت أبواب الرحمة، وبدأ فصلٌ جديد من تاريخ البشرية. جاء مولدك كالفجر بعد ليلٍ طويل، وكالمطر على أرض أجدبها الضياع، وكالنور الذي لا تطفئه رياح الزمن مهما اشتدت.
قروناً مضت، وما زال عطرك يملأ الدنيا، وما زالت كلماتك تهدي الحائرين، وما زالت سيرتك تبني النفوس وتوقظ في الأمة روح العزة والثبات. فما أعظمك يا رسول الله، وما أكرم مقامك الذي رفعه الله حين قال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
أي وصفٍ يمكن أن يحيط بعظمة من أثنى عليه رب العالمين؟ وأي قلم يستطيع أن يرسم ملامح الرحمة التي حملتها في قلبك؟ لقد كنت الرحمة حين قست القلوب، والعدل حين انتشر الظلم، والأمل حين خيّم اليأس، والنور حين غابت معالم الطريق.
يا رسول الله
نكتب عن مولدك، فنجد أنفسنا نكتب عن ميلاد أمة، وعن بداية عهدٍ جديد للإنسانية. نكتب عن مخلوق أكرمه الله بالرسالة، وعن نبيٍ حمل همّ البشرية، وعن قائدٍ لم تكن قوته في السيف وحده، بل في قلبٍ امتلأ بالايمان وفي روحٍ عظيمةٍ عرفت كيف تصنع من الضعف قوة، ومن الألم طريقًا للنصر.
لقد علمتنا يا رسول الله أن النصر لا يولد من الفراغ، وأن العزة لا تُمنح لمن يستسلم، وأن طريق الحق يحتاج إلى صبرٍ وثباتٍ وتضحية. علمتنا أن الإنسان ينتصر أولًا على خوفه، وعلى ضعفه، وعلى يأسه، ثم يصنع انتصاره في ميادين الحياة.
ومن نورك يا رسول الله تستمد الأمم قدرتها على النهوض، لأن سيرتك ليست صفحاتٍ مضت، بل حياةٌ تتجدد في كل قلبٍ عرف معنى الإيمان، وفي كل إنسانٍ حمل راية الخير والرحمة والكرامة.
وفي اليمن، حيث تتجذر محبتك في القلوب، يأتي المولد النبوي الشريف ليس مجرد مناسبةٍ عابرة، ولا مظاهر فرحٍ تنتهي بانتهاء الأيام، بل هو تجديد للعهد مع رسول الله، وعهدٌ بالسير على نهجه، والتمسك بأخلاقه، واستلهام صبره وثباته.
تضاء الأنوار في البيوت والشوارع، لكن النور الحقيقي هو ذلك الذي يضيء القلوب. ترتفع الأصوات بالصلاة والسلام عليك وعلى آلك الأطهار، لكن أجمل صوت هو صوت الأخلاق حين تتحول المحبة إلى عمل، والذكرى إلى سلوك، والانتماء إلى بناءٍ ورحمةٍ وتكافل.
يا أهل اليمن
اجعلوا من ذكرى المصطفى محطةً لإحياء القيم التي جاء بها، اجعلوا الفرح به طريقًا لإصلاح النفوس، وصلة الأرحام، ومساعدة المحتاجين، ونشر الرحمة بين الناس. فمحبة النبي ليست كلماتٍ تقال فقط، بل حياةٌ تُعاش، ومنهجٌ يُتبع، وأثرٌ يبقى.
يا رسول الله
نعجز عن وصفك، لكننا لا نعجز عن محبتك.
نعجز عن بلوغ مقامك، لكننا نسأل الله أن يرزقنا صدق الاقتداء بك.
نعجز أن نوفيك حقك، لكننا نرفع أصواتنا بالصلاة والسلام عليك.
صلاةً وسلاماًعليك يوم وُلدت، يوم حملت رسالة ربك، يوم وقفت شامخًا أمام الطغيان، يوم فتحت القلوب قبل البلدان، ويوم تركت للأمة إرثًا من النور لا ينطفئ وعلى آلك الأطهار.
ومن مولدك يا رسول الله نستمد النور.
ومن سيرتك نستمد الصبر.
ومن أخلاقك نستمد الرحمة.
ومن ثباتك نستمد طريق النصر.
فصلوات ربي وسلامه عليك يا من أشرقت الدنيا بميلادك، يا من جعلك الله رحمةً للعالمين، يا من بقيت ذكراك خالدةً في القلوب ما تعاقب الليل والنهار وعلى آلك الأطهار .
وكل عام والأمة الإسلامية تحمل حب المصطفى في قلوبها مجسدةٍ ومقتدية بنبيها وكل عام واليمن وأهله بخيرٍ وعزةٍ وأمنٍ وسلام، وكل عام وذكرى مولد رسول الله توقظ فينا روح الإيمان وحب الجهاد والأمل والبناء والاقتداء.