
القاتل المأجور
فرح علي الشهاري
لو قُدر للأرض أن تروي سيرتها، لاشتكت من أثقل وأدهى ضيفٍ استقبلته في تاريخها الممتد. ضيف لا يعترف بقوانين الطبيعة، ولا يحترم دورة الحياة والموت. إنه “البلاستيك”، المادة التي ابتكرناها لخدمتنا، فانتهى بها المطاف لتستعبدنا، وتحيل كوكبنا من مساحة خضراء تنبض بالحياة، إلى أرشيفٍ ضخم لنفايات عصية على الفناء.
لقد تسلل هذا المُفترس الصامت إلى أقدس مساحاتنا وأكثرها حميمية: “موائدنا”. في الأمس القريب، كانت المائدة ملاذاً للأمان، تُقدم عليها أطباق الفخار والزجاج التي تحتضن الطعام كأمٍ رؤوم. أما اليوم، فقد استبدلنا هذا الأمان بـ “خديعة شفافة”. نشتري طعامنا الساخن، الذي ينبض بالحرارة، ونُلقي به في جوف أكياس وعلب بلاستيكية رخيصة، معتقدين بسذاجة مفرطة أننا نختصر الوقت ونواكب إيقاع العصر.
لكن ما يحدث في تلك اللحظة العمياء يفوق حدود الكارثة البيئية؛ فبمجرد أن تعانق الحرارة جدران البلاستيك، تستيقظ “خلايا الموت النائمة”. يتحول الكيس من مجرد “وعاء” إلى “مفاعل كيميائي” نشط. تهاجر مركبات شيطانية معقدة، مثل “الفثالات” و”البيسفينول أ”، تاركةً جدار البلاستيك لتغوص في أعماق طعامنا وتذوب فيه. نحن في الحقيقة لا نتناول وجبتنا، بل نتجرع معها “مخربات بيولوجية” تتسلل لتعيث فساداً في نظامنا الهرموني، وتُرهق أكبادنا وكلاها بسموم “كلوريد الفينيل”، وتستفز أجهزتنا العصبية بـ “الستايرين”. إنها هندسة عكسية للحياة، تُمهد الطريق ببطء شديد، وثبات مرعب، لاستنبات الخلايا السرطانية.
والمفارقة الأكثر إيلاماً وسخرية، أننا نعتقد أن دورة الخطر تنتهي بمجرد إلقاء هذه النفايات في سلة المهملات. نحن نتوهم التخلص منها، بينما هي في الواقع تبدأ “رحلة الانتقام”. إذا دفناها في الأرض، تشظت إلى جزيئات “ميكروبلاستيكية” دقيقة، تتسلل إلى المياه الجوفية وتصعد في عروق محاصيلنا الزراعية. وإذا رميناها في البحار، تقمصت شكل الغذاء لتخنق الكائنات البحرية، ثم تعود إلينا متربعةً بهدوء داخل أطباق الأسماك التي نأكلها. وحتى إذا أحرقناها، نفثت أرواحها الخبيثة في الهواء، لتستوطن رئاتنا وأجهزتنا العصبية. البلاستيك لا يذهب بعيداً أبداً.. إنه يعود إلينا دائماً، كعصا “البوميرانغ”، ليضربنا في مقتل.
أمام هذا الغزو الممنهج لأجسادنا، والتمويل الطوعي لانهيار صحتنا، لم يعد الصمت خياراً، بل تواطؤاً. ومن هنا يتجلى الدور المحوري والمصيري لصندوق مكافحة السرطان عبر إطلاقه “الحملة الوطنية الحادية عشرة للتوعية بمخاطر الأكياس والمنتجات البلاستيكية”. هذه الحملة ليست مجرد نصائح بيئية لترتيب الأرصفة، بل هي “طوق نجاة” حقيقي، وصرخة استغاثة لانتشال الإنسان من براثن استهتاره.
إن شعار الحملة “الوقاية تبدأ باختيارك”، يضع مبضع الجراح على أصل الداء. قرارك اليوم برفض كيس بلاستيكي ساخن، واستبداله بحافظة زجاجية، أو معدنية، أو كيس قماشي، ليس مجرد سلوك بيئي راقٍ، بل هو “درع بيولوجي” تحمي به شفرتك الجينية، وتنقذ به أطفالك من مستنقع الأمراض المستعصية.
لا تجعلوا من مطابخكم غرفاً للإنعاش المبكر، ولا ترهنوا أعماركم لرفاهية زائفة ثمنها بضعة قروش. لنستيقظ الآن.. قبل أن يصبح البلاستيك هو الإرث الوحيد الذي نتركه لأجيالٍ، لن تجد في أجسادها زاوية واحدة تخلو من سمومنا!
#الحملة_الوطنية_الحادية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_الأكياس_والمنتجات_البلاستيكية
#صندوق_مكافحة_السرطان
#الوقاية_تبدأ_باختيارك



