
د. فاضل حسن شريف
جاء في کتاب الإمام الصادق عليه السلام للشيخ محمد حسن المظفر: مَن هُم أهل البيت؟ يأتينا الكتاب الكريم ناطقاً مبيناً بقوله جلّ شأنه “إنّما يريد اللّه ليُذهبَ عنكم الرِّجس أهلَ البيت ويطهّركم تطهيراً” (الاحزاب 33) إنّها لفضيلة لهم لا يدانيهم فيها أحد من الناس كافّة. ولا كرامة أنفس من إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من العيوب كافّة، ذلك التطهير الذي يريده اللطيف تعالى لهم بعنايته، وهو غير مقيَّد برجس خاصّ ولا من شيء مُعيّن، فيدلّ على عموم التطهير من كلّ عيب وذنب. ويستفاد من هذه الآية الجليلة عصمة أهل البيت النبوي، لأنّ كلّ ذنب رجس، وارتكاب الذنوب لا يجتمع مع إذهابها عنهم وطهارتهم منها، فهم إذن بحكم هذه الآية مطهَّرون من الأرجاس والذنوب، وهل العصمة شيء وراء هذا؟ نعم وإنما الشأن كلّه في المعنيّ بهذه الفضيلة التي امتازوا بها على جميع الأمّة.
وعن بنو أميّة، مَن هُم بنو أميّة؟ يقول الشيخ المظفر قدس سره: يفصح القرآن الكريم معلناً بقوله: “وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس والشجرة الملعونة في القرآن” (الاسراء 60) ويحدّثنا التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنّ النبي رأى في المنام أنّ قردة تنزو على منبره فأعلمه جبرئيل أنهم بنو أُميّة يتغلّبون على الأمر فيتنازون على منبره وأنهم هم الشجرة الملعونة، ثم انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يستجمع ضاحكاً بعد ذلك حتى مات. وجاء في ذمّ بني أُميّة والطعن فيهم كثير من التنزيل، انظر الحاكم في حديث علي في قوله “وأحلّوا قومهم دار البوار” (ابراهيم 28) قال: هما الأفجران من قريش بنو أُميّة وبنو المغيرة، وتفسير ابن جرير في قوله: “وجاهدوا في اللّه حقَّ جهاده” (الحج 78) فإنه قال: إن الذين أمر تعالى بجهادهم مخزوم وأُميّة، إلى غير ذلك. ثمّ انّ الرسول الصادق الأمين صلّى اللّه عليه وآله يتبع القرآن المجيد بقوله: اللهمّ العن بني أُميّة قاطبة، وبأمثال ذلك، لا سيّما فيما يخصّ أبا سفيان وابنيه يزيد ومعاوية، ولا تنس ما جاء عنه في آل أبي العاص ولا سيّما في الحّكم وابنه مروان أترى لماذا يمنح الكتاب المبين أهل البيت بذلك الثناء الجزيل ويذكر بني أُميّة بذلك السوء والذمّ، أيكيل العادل تعالى لأُولئك المدح جزافاً، ولهؤلاء الذمّ اعتداءً، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. ولأجل أن تطمئنّ القلوب بهذه الحقيقة، نستطرد نبذاً من أعمال أميّة وبنيه أخبرنا عنها التاريخ الموثوق به. مات عبد مناف وترك عدَّة بنين، كان منهم هاشم والمطّلب ونوفل وعبد شمس، وكان هاشم أرجحهم عقلاً وأسماهم فضيلةً فاصطلحت قريش على أن تولّيه الرفادة والسِّقاية وكانتا لأبيه عبد مناف، فكان هاشم حيث رأت قريش، وزاد في شرف أبيه أن سنَّ الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وقد ذكر هاتين الرحلتين الكتاب الكريم “إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ” (قريش 2)، وما كانت غاية هاشم من الرحلتين إلا أن يكثر المال في قريش فيقووا به على إطعام الحاجّ، وهذه فضيلة سامية أرادها هاشم لقومه، وهذا شأن العظام الذين ينحون بقومهم عظائم الأمور، ومراقي الشرف الرفيعة. ولمّا مات عبد شمس وظهر أميّة حاول أن يلحق بهاشم في شأنه بما عجز عنه أبوه من قبل، وأين أميّة من هاشم في سنّه وشأنه، وما ساد هاشم إلا لأنّه مجمع الفضائل، ولم يكن لأميّة ما يسود به الفتى خلا المال والولد ولا يكفيان للسيادة إذا لم تكن الأعمال تلحقه بالمعارج السامية. وطمع أميّة يوماً أن ينافر هاشماً، وذلك إقدام لم يرتقب من مثله لمثل هاشم، ولا نعرف سبباً في قناعة هاشم بهذه المنافرة وهو سيّد الأبطح وشيخ قريش سوى علمه بأنه سوف ينفر أميّة، وبذلك كبح لجماع أميّة وإذلال لنفسه المتطلّعة لما ليس له كما كان ذلك، فإنّه قد نفره هاشم فأخرجه من مكّة عشر سنين، ولعلّ أميّة كان يعتقد أن هاشماً سيّد الأبطح لا محالة ينفره، إلا أنّه قنع من الشرف أن يُقال أن أميّة نافر سيّد الحرم وجرى في مضماره.
ويستطرد الشيخ محمد حسين المظفر في كتابه مَن هُم بنو أميّة؟ ولمّا نبغ عبد المطّلب بعد أبيه هاشم وعمّه المطّلب، علا على شرف أهله ومفاخر آبائه، فانبطَّ ماء زمزم ولم يتوفّق لها قرشي من قبل، فحسدته قريش وراموا أن يشاركوه في هذه الكرامة والسقاية منها، فأبى عليهم، وطلبوا محاكمته عند كاهنة هذيل في الشام، وعندما رأوا منه الكرامات في طريقهم إلى الشام عدلوا عن محاكمته، وتركوا له زمزماً وسقاية الحاج. وهو الذي أنذر أبرهة قائد الأحباش والأمير على اليمن من قبل النجاشي ملك الحبشة حين جاء من اليمن بجيش كثيف قاصداً هدم البيت ليتحوَّل العرب عن الحجّ إليه، ولم يخرج عبد المطّلب من البيت كما خرجت قريش هاربة من سطوة الأحباش، فكان آخر أمر الأحباش الدمار، كما أفصح عن ذلك الكتاب المجيد “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (5)” (الفيل 1-5) فجاء الحال وفقاً لما أنذرهم به سيّد الأبطح. فكانت قريش تحسده لهذه المفاخر، وصاحب الفضيلة محسود، وما اكتفى أميّة بما لقيه من منافرة هاشم حتّى حاول منافسة عبد المطّلب، فحمل أميّة عبد المطّلب على المسابقة، فسبقه عبد المطّلب واستعبده عشر سنين. وكان حرب بن أميّة أيضاً يُفاخر عبد المطّلب بوفره وبأهله، تجاهلاً منه بأن الشرف إنّما هو بالفضيلة، والأعمال الجليلة، حتى طلب منافرة عبد المطّلب، وتلك جرأة كبرى يدفعه إليها الحسد والغرور، وإن علم يقيناً أنه لا يشقّ غبار شيخ قريش، غير انّا نحسبه انّه كان يعتقد أن المنافرة وحدها تجعل له المكانة العالية وإن نفره عبد المطّلب، ولقد تعجّب النافر من طمع حرب في منافرة شيخ البطحاء، والأعمال وجدها كافلة بخسران حرب. إن درس نفسيّات أولئك الأقوام وسبر أعمالهم تجسّم لك الغدر والخيانة والتحزُّب للضلال على الهدى، وللباطل على الحقّ، حتى لتكاد أن تعجب كيف لم يندرس الحق، وتنطمس أعلام الهداية إلى اليوم، ما دام أنصار الحقّ في كلّ عصر ومصر قليلين جدّاً “وقليل من عبادي الشكور” (سبأ 13) وأين تغيب عن هذه الحقيقة، ونظرة واحدة في عصرنا الحاضر تريك كيف تتمثل المنافسة بين الباطل والحقّ، وتغلّب الأول بأنصاره على الثاني وأعوانه، وليس الغريب ذلك إنّما الغريب أن يتّفق انتصار أرباب الحقّ في بعض الأعصار وينخذل الباطل، ولو انتصر أبو الحسن والحسن على معاوية، والحسين على يزيد لكان بدعاً في الزمن دون العكس في الحال، وما كان انتصار الرسول صلّى اللّه عليه وآله بعد تلك الحروب الدامية إلا إقامة للحجّة، “ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة” (الانفال 42) ولو غلب الكفر على الاسلام لم يتمّ نوره، ولا قامت حجّته. إنَّ الرسول الأمين جاء للناس بكل فضيلة وسعادة وخُلق كريم وقد وقفوا دون أداء رسالته، وتنفيذ دعوته، وما رسالته إلا لخيرهم، وما دعوته إلا لسعادتهم، ولأيّ شيء أبت نفوسهم عن الاستسلام لتلك الفضائل غير مخالفتهم لها في السيرة والسريرة دأب البشر في كلّ عصر، وهل خضع الناس لقبول تلك السعادة إلا بعد أن علا رؤوسهم بالسيف، وضرب خراطيمهم بالسوط، وما أسرع ما انقلبوا على الأعقاب بعد انتقاله إلى حظيرة القدس ناكصين عن سنن الطريق، حين وجدوا مناصاً للعدول “وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئاً” (ال عمران 144). بيد أن الأُمويّة مخّضت عن أفذاذ ثبت الايمان في قلوبهم، ونهضوا مع الحقّ حرباً للباطل، ولا عجب فإنه تعالى: “يخرج الحيّ من الميت” (الانعام 95) ولا شكَّ أن اللعن لا يعمّهم، والكتاب الكريم يقول: “لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم” (المائدة 105)، “ولا تزر وازرة وزر أخرى” (الانعام 164)، “من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها” (فصلت 46)، “ما على المحسنين من سبيل” (التوبة 91).
وعن فرق الشيعة يقول الشيخ محمد حسين المظفر: وأوّل من نطق بلفظ الشيعة قاصداً به من يتولّى عليّاً والأئمة من بنيه هو صاحب الشريعة سيّد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله وقد جاءت عنه في ذلك عدَّة أحاديث. راجع الدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى: “إِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك خير البريّة” (البينة 7) إِلى نظائرها من الكتب. وأما فِرق الشيعة فهي كثيرة، وقد أنهتها بعض كتب المِلل والنِّحل إِلى أكثر ممّا نعرفه عنها، فذكرت فِرقاً كثيرة، ورجالاً تنسب الفِرق إليهم، أمثال الهشاميّة نسبة إِلى هشام بن الحكم، والزراريّة نسبة إِلى زرارة بن أعين، والشيطانيّة نسبة إِلى مؤمن الطاق محمّد بن النعمان الأحوال، واليونسيّة نسبة إِلى يونس بن عبد الرحمن، إِلى غيرها، والحقّ اننا من أهل البيت وأهل البيت أدرى بما فيه لا نعرف عيناً ولا أثراً لهذه الفِرق، ولا للبدع التي نسبت لهؤلاء الرجال. نعم كانت للشيعة فِرق قبل عصر الصادق عليه السّلام وبعده وقد ذهبت ذهاب أمس الدابر، ولم يبق منها اليوم شيء معروف إِلا ثلاث فِرق: 1 – الإماميّة: وهم القائلون بإمامة الاثني عشر، وولادة الثاني عشر ووجوده اليوم حيّاً ويترقّبون كلّ حين ظهوره. 2 – الزيديّة: وهم الذين يرون إِمامة زيد وكلّ من قام بالسيف من بني فاطمة، وكان مجمعاً للخصال الحميدة. 3 – الإسماعيليّة: وهم الذين يجعلون الإمامة بعد الصادق عليه السّلام في ابنه إسماعيل دون موسى وبنيه عليهم السّلام. هذا ما بقي من فِرق الشيعة ظاهراً يُعرف منذ عهد بعيد حتّى الزمن الحاضر، وأما ما كان منهم في الزمن الماضي، فقد بحث عنه النوبختي في كتابه ” فِرق الشيعة ” وليس اليوم منها فرقة معروفة عدا ما ذكرناه.

