سبتمبر 1, 2026
LOGO

بعد اتفاق مظلوم عبدي وأحمد الشرع… السؤال الذي لم يسأله أحد !

بقلم / يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ المانيا

أنا لا أكتب اليوم ضد مظلوم عبدي ولا ضد أحمد الشرع. ولا أكتب دفاعا عن طرف ضد طرف. لأن القضية أكبر من رجلين وأكبر من قسد ودمشق وأكبر من الكرد وحدهم. القضية هي مستقبل سوريا بكل أبنائها.

بعد اكتمال دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة وإعلان انتهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة أصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا حصل مظلوم عبدي ولا ماذا حصل أحمد الشرع. بل ماذا حصل السوريون من هذا التحول الكبير. وماذا سيبقى لهم بعد رحيل الأشخاص وتغير الحكومات؟

نعم للسلام. ونعم لوقف نزيف الدم. ونعم لوحدة سوريا. والاعتراف بالمجتمع الكردي مكونا أصيلا وضمان حقوقه الدستورية والمواطنة خطوة مهمة. كما أن ضمان مشاركة جميع السوريين في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية يمثل أساسا يمكن البناء عليه.

لكن السؤال الأصعب يبدأ من هنا.

قسد كانت تمتلك قوة عسكرية وإدارة ومؤسسات ومعابر ووجودا في مناطق النفط والغاز. وبعد انتقال هذه المؤسسات والمواقع السيادية إلى الدولة واندماج القوة العسكرية فيها فمن حقنا أن نسأل. ما الضمان الذي سيجعل الحقوق المعلنة ثابتة بعد عشر سنوات وعشرين سنة؟

أنا لا أشكك في نيات مظلوم عبدي ولا أحمد الشرع. لكن الدول لا تبنى على النيات الحسنة وحدها. بل تبنى على الدستور والقانون والمؤسسات.

مظلوم عبدي لن يبقى إلى الأبد. وأحمد الشرع لن يبقى إلى الأبد. وكل رئيس ومستشار ووزير وقائد سيأتي يوم ويرحل. ولهذا لا يجوز أن ترتبط حقوق ملايين السوريين بالأشخاص مهما كانت مناصبهم.

قد يصبح الكردي أو العربي أو السرياني أو الآشوري أو الأرمني أو التركماني أو الدرزي أو العلوي أو الإسماعيلي أو المسيحي في أعلى مناصب الدولة. وهذا أمر جيد إذا جاء بالكفاءة. لكن المنصب ليس حقا. والكرسي ليس دستورا. والصورة مع الرئيس ليست ضمانة.

نحن لا نريد سوريا توزع المناصب على مكوناتها وكأنها جوائز. بل نريد سوريا يصبح فيها الإنسان المناسب في المكان المناسب بسبب علمه وكفاءته ونزاهته لا بسبب قوميته أو دينه أو طائفته أو علاقاته.

ولو كنت مستشارا لمظلوم عبدي لنصحته بأن يجعل المرحلة القادمة معركة دستور لا معركة مناصب. دستور يحمي الهوية واللغة والحقوق والمواطنة ويمنع عودة التمييز مهما تغيرت الحكومات.

ولو كنت مستشارا لأحمد الشرع لقلت له. أمامك فرصة تاريخية. فلا تبن سوريا القديمة بوجوه جديدة.

ابن دولة يستطيع فيها الكردي أن يقول أنا كردي وسوري دون خوف. ويشعر العربي والسرياني والآشوري والأرمني والتركماني والدرزي والعلوي والإسماعيلي والمسيحي والمسلم أن سوريا دولته وأن القانون يحميه مثلما يحمي غيره.

الحل ليس مستحيلا.

دستور يحمي الجميع. قضاء مستقل يحاسب الجميع. جيش وطني للجميع. إدارة محلية فعالة ضمن دولة سورية واحدة. توزيع عادل للثروات. حماية اللغات والثقافات. عودة المهجرين إلى مناطقهم بأمان. تكافؤ الفرص. ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب بعيدا عن المحسوبية والطائفية والقومية.

أما النفط والغاز والثروات فهي ليست ملكا لقسد ولا لدمشق ولا لحزب ولا لرئيس. إنها ملك للشعب السوري. ومن العدالة أن تستفيد المناطق المنتجة منها في التنمية وإعمار المدارس والمستشفيات والطرق وخلق فرص العمل مع بقاء الثروة ملكا وطنيا لجميع السوريين.

أنا لا أريد للكردي أن يكون قويا لأنه يحمل السلاح. ولا للعربي أن يكون قويا لأنه يسيطر على العاصمة. ولا لأي مكون سوري أن يبحث خارج وطنه عمن يحميه من مكون سوري آخر.

أريدهم جميعا أقوياء لأن هناك دولة ودستورا وقانونا يحميهم.

أنا لا أريد إفشال الاتفاق. بل أتمنى أن يكون بداية لعقد وطني سوري جديد. عقد لا ينتصر فيه الكرد على العرب ولا العرب على الكرد ولا الأكثرية على الأقلية ولا الأقلية على الأكثرية.

بل ينتصر فيه السوري على الخوف والتمييز والفساد والطائفية والجهل.

إذا تحقق ذلك فسأقول إن هذا المسار كان تاريخيا.

أما إذا سلم السلاح وتغيرت المناصب والوجوه ثم عادت المركزية والمحسوبية والتمييز والخوف بأسماء جديدة. فلن نكون قد بنينا سوريا جديدة. بل سنكون قد أعدنا طلاء الجدران القديمة.

ولهذا لا أسأل اليوم من ربح. مظلوم عبدي أم أحمد الشرع.

بل أسأل السؤال الذي يجب أن يشغل كل سوري.

بعد عشر سنوات عندما تتغير الأسماء والوجوه والمناصب. هل سيجد الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني والتركماني والدرزي والعلوي والإسماعيلي والمسيحي والمسلم دولة تحميهم جميعا. أم سنكتشف أننا غيرنا الأشخاص وبقينا نعيش بعقلية سوريا القديمة؟**

لا أكتب لأنتقد فقط بل أكتب لأغيّر وأنتقد لأصلح لا لأنتصر.

#سوريا #قسد #مظلوم_عبدي #أحمد_الشرع #الكرد #العرب #السريان #الآشوريون #الدروز #يحيى_هركي