سبتمبر 3, 2026
1000468455

كلما دار حديث عن الحب والعلاقات، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز الحديث عن وجود الحب من عدمه: هل ما زلنا نعرف كيف نحب؟
ربما يبدو السؤال بسيطا، لكنه يصبح أكثر إلحاحا حين نرى كيف نتحدث عن الحب اليوم. فبعض الشباب اليوم يقولون إن الحب فقد جزءا كبيرا من رمزيته وإن الحب الحقيقي أصبح أكثر ندرة، بل إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك حين يرى أن الحب كما عرفناه وتخيلناه لم يعد موجودا أصلا إلا في المسلسلات التركية.
لكن قبل أن نتساءل عن اختفاء الحب أو ندرته، ربما علينا أن نطرح سؤالا أساسيا: هل كل ما نطلق عليه اسم الحب هو حب فعلا؟ وهل الحب شعور فقط أم مهارة يجب أن نتعلمها؟
فقد اضحى أكثر يسرا أن نخلط بين الحب والإعجاب، وبين الحب والانجذاب، وبين الحب والتعلق.. وقد نمنح بعض السلوكيات العاطفية تسميات رومانسية، رغم أنها قد تكون في حقيقتها تعبيرا عن الاحتياج أو التملك العاطفي لا غير.
وهنا اتوقف عند عبارة محمود درويش في كتابه حضرة الغياب، يقول: «لا يكفي أن تحب، بل عليك أن تعرف كيف تحب». وتفتح هذه العبارة مجالا مهما للتفكير في الحب باعتباره أكثر من مجرد مشاعر عاطفية، بل باعتباره معرفة و ممارسة وسلوكا يحتاج إلى قدر من الوعي والتعلم.
فالإنسان لا يدخل العلاقة العاطفية صفحةً بيضاء، وإنما يحمل معه تجاربه السابقة، وصورته عن ذاته وأنماط ارتباطه بالآخرين، إضافة إلى تصوراته وتوقعاته حول العلاقة العاطفية. ولهذا فإن الطريقة التي نحب بها قد تكون مرتبطة بدرجات مختلفة بما تعلمناه سابقا وبما استقبلناه في الطفولة عن الحب والثقة والاهتمام.

فقد يحب الإنسان شخصا فعلا ومع ذلك يؤذيه، ليس بالضرورة لأنه يريد إيذاءه، وإنما لأنه لا يمتلك الأدوات النفسية والتواصلية التي تمكنه من التعبير عن حبه بطريقة صحية. فقد يحب لكنه لا يعرف كيف يصغي. وقد يهتم لكنه يترجم اهتمامه إلى مراقبة وسيطرة. وقد يخاف فقدان الآخر فيتحول خوفه إلى غيرة مفرطة أو إلى سلوك تملكي. وقد يعتقد أن التضحية المستمرة دليل على الحب، بينما قد تتحول هذه التضحية في بعض الحالات إلى إلغاء لذات.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشعور بالحب وممارسة الحب. فالحب بوصفه شعورا قد يبدأ بانجذاب أو تعلق أو رغبة في القرب من الشخص، لكنه لا يكتمل بمجرد وجود هذه المشاعر. لكي يتحول إلى علاقة ناضجة، يحتاج إلى سلوكيات أكثر نضجا تتجاوز مجرد الشعور: كالاحترام، والإصغاء، والتواصل، والقدرة على إدارة الخلاف، واحترام الحدود الشخصية، والاعتراف باختلاف الآخر، وتحمل قدر من المسؤولية تجاه العلاقة. فأن تحب شخصا لا يعني أن تمتلكه، وأن تخاف عليه لا يعني أن تراقبه، وأن تحتاج إليه لا يعني أن تلغي استقلالك من أجله.

وربما يساعدنا علم النفس هنا أيضًا على فهم سبب شعور كثير من الناس بأن الحب أصبح أقل استقرارا من السابق. فالإنسان قد يدخل العلاقة العاطفية وهو يحمل صورة مثالية عن الطرف الآخر، صورة يصنعها الخيال والتوقعات أكثر مما يصنعها الواقع. ثم، عندما تبدأ الشخصية الحقيقية في الظهور، وتظهر الاختلافات والعيوب والتناقضات، قد يشعر بأن الطرف الآخر تغير أو أن الحب نفسه بدأ يتراجع. لكن ربما لم يتغير الشخص بقدر ما تغيرت الصورة الذهنية التي كنا نحملها عنه.
الحب الناضج يبدأ، في رأيي، عندما نتوقف عن مطالبة الآخر بأن يكون نسخة من الصورة التي رسمناها في خيالنا، وما نرغب في أن يكون عليه. وحين تصطدم هذه الصورة بالواقع، نكتشف أن العلاقة تحتاج إلى الانتقال من مرحلة المثالية إلى مرحلة أكثر واقعية. مرحلة يصبح فيها الآخر إنسانًا له نقاط قوة وضعف، واحتياجات وحدود، وأفكار قد لا تشبه أفكارنا.
وهذا لا يعني أن الاختلاف سهل. على العكس، ربما يكون الاختلاف هو الاختبار الحقيقي لأي علاقة.

ولا يمكننا أن نتجاهل الطريقة التي تشكل بها الثقافة والمجتمع تصوراتنا عن الحب. فنحن لا نتعلم الحب فقط من تجاربنا الشخصية، بل نتعلمه أيضا من الأسرة، والأصدقاء، والأدب، والسينما، والأغاني، وما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي. وبذلك تتشكل لدينا ما يمكن تسميته تمثلات اجتماعية للحب… أي مجموعة من الأفكار والصور والمعايير التي تحدد في أذهاننا كيف ينبغي أن يكون الحب، وكيف ينبغي أن يتصرف المحب، وما الذي نعده دليلا على الحب.
ومن ثم، قد يعتقد الشخص أو يفسر الغيرة الشديدة على أنها تعبير عن الحب، بينما قد يراها آخر شكلا من أشكال انعدام الثقة أو التملك. وقد يرى أحدهم أن التضحية المستمرة هي قمة الإخلاص، بينما قد يرى فيها آخر خطرا على التوازن النفسي داخل العلاقة.

إذن، المشكلة ليست دائما في وجود الحب أو غيابه، وإنما في كيفية تعريفنا له وفهمنا له وممارستنا له.
ولعل “الثقافة المعاصرة” ساهمت في رفع سقف توقعاتنا العاطفية، بحيث أصبحنا ننتظر علاقة تمنحنا السعادة المستمرة، والتفاهم الكامل، وكأن العلاقة الناجحة هي تلك التي تخلو من التوتر والخلاف والملل.
ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل ما زال هناك حب؟ بل هل ما زلنا نعرف كيف نحب؟
ربما الحب لم يختف، وربما لم يصبح نادرا بالضرورة، وإنما تغيرت علاقتنا به وتغيرت الطريقة التي نفهمه ونبحث عنه ونحكم عليه من خلالها.
فالحب، من وجهة نظري، ليس مجرد شعور يظهر في لحظة، وإنما تجربة إنسانية تتطلب معرفة بالنفس، ووعيا بالآخر، وقدرة على التواصل، واحتراما للحدوده، واستعدادا لتحمل المسؤولية. إنه ليس فقط أن تشعر بشيء تجاه شخص ما، بل أن تعرف كيف تحول هذا الشعور إلى ممارسة إنسانية ناضجة.
قد لا يكون الحب هو الذي تغير، وإنما نحن الذين اختزلناه طويلا في الشعور والمسلسلات ومانراه على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يحتاج لكي يستمر إلى وعي ومهارة وممارسة. وربما كان درويش يختصر هذه الفكرة كلها حين قال: “لا يكفي أن تحب، بل عليك أن تعرف كيف تحب”.