
إيهاب مقبل
كشفت مجلة «إكسبو» السويدية، في تحقيق جديد نشرته في الثالث من سبتمبر أيلول 2026، عن تفاصيل مثيرة تتعلق ببولينا مالابيرغ (Polina Malaberg)، الموظفة السياسية في حزب ديمقراطيو السويد الشعبوي (SD)، والتي تعمل منذ عام 2024 مستشارة سياسية لنواب الحزب في لجنة الدستور بالبرلمان السويدي.
ويعيد التحقيق إلى الواجهة رحلة قامت بها مالابيرغ إلى روسيا عام 2017 برفقة النائب السابق عن الحزب بافل غاموف (Pavel Gamov)، عندما كانت تعمل سكرتيرة سياسية في مكتب الحزب داخل البرلمان.
وتقول «إكسبو» إن الرحلة كانت جزءاً من عملية تأثير روسية هدفت إلى إضفاء الشرعية على الانتخابات الروسية، مشيرة إلى أن الدعوة جاءت من عضو في مجلس الدوما الروسي كان خاضعاً لعقوبات أوروبية، وأن الرحلة ارتبطت بمؤسسة روسية تقول المجلة إن جهات أمنية أوروبية ربطتها بأدوات النفوذ والتأثير الروسي.
لكن ما يجعل الكشف الجديد أكثر حساسية هو أن الموظفة التي رافقت غاموف في تلك الرحلة لم تخرج من المشهد السياسي بعد انتهاء القضية، بل واصلت عملها داخل حزب ديمقراطيو السويد، قبل أن تصل إلى موقع سياسي في لجنة الدستور.
وتكشف «إكسبو» كذلك عن منشورات ومواقف قديمة لمالابيرغ اعتبرتها المجلة مؤيدة أو متعاطفة مع روسيا، وعن نشاط ثقافي ترى أنه ارتبط ببيئة روسية، إضافة إلى استمرار بعض الروابط العائلية مع روسيا.
وتتزامن هذه المعلومات مع حقيقة أكثر حساسية: مالابيرغ تعيش منذ عام 2024 مع غوستاف غيلربرانت (Gustav Gellerbrant)، أحد أبرز موظفي حزب ديمقراطيو السويد، والذي يشغل منذ عام 2022 منصب رئيس مكتب التنسيق التابع للحزب في المكاتب الحكومية، وهو موقع يجعله من الشخصيات المحورية في التنسيق بين الحزب والحكومة.
وبذلك لا يقدم تحقيق «إكسبو» مجرد قصة عن موظفة ذات أصول روسية، وإنما يفتح ملفاً أوسع حول كيفية تعامل الحزب مع الخلفيات والعلاقات التي قد تحمل، بحسب المجلة، أهمية أمنية في بيئة سياسية أصبحت فيها مخاطر النفوذ الأجنبي أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
رحلة روسيا التي سبقت الصعود داخل البرلمان
تعود جذور القضية إلى سبتمبر أيلول 2017، عندما سافر بافل غاموف، الذي كان آنذاك نائباً عن حزب ديمقراطيو السويد، إلى روسيا للمشاركة بصفة مراقب في انتخابات هناك.
وكانت الدعوة إلى الرحلة موقعة من ليونيد سلوتسكي (Leonid Slutsky)، عضو مجلس الدوما الروسي الذي كان خاضعاً لعقوبات أوروبية منذ عام 2014.
وبحسب «إكسبو»، ارتبطت الرحلة بمؤسسة براففوند (Pravfond)، التي تقول المجلة إن جهات أمنية أوروبية اعتبرتها جزءاً من أدوات النفوذ الروسي.
لكن غاموف لم يكن المسافر الوحيد من الجانب السويدي. فقد رافقته موظفة سياسية كانت تستخدم آنذاك اسم «إيلينا»، وتقول «إكسبو» إنها بولينا مالابيرغ.
كانت مالابيرغ تعمل في ذلك الوقت سكرتيرة سياسية في مكتب حزب ديمقراطيو السويد داخل البرلمان، وكانت مرتبطة باللجنة الأوروبية التي كان غاموف عضواً فيها.
وتصف «إكسبو» الرحلة بأنها عملية تأثير روسية هدفت إلى إضفاء الشرعية على الانتخابات الروسية، بينما تشير إلى أن جهاز الأمن السويدي كان على علم بها.
ومن التفاصيل التي أوردها التحقيق أن المشاركين في الرحلة طُلب منهم ترك هواتفهم العادية واستخدام هواتف مؤقتة أثناء وجودهم في روسيا.
وأثارت الرحلة أزمة سياسية بالنسبة إلى غاموف، انتهت بخروجه من حزب ديمقراطيو السويد في أواخر عام 2017. أما مالابيرغ فواصلت مسيرتها داخل الحزب.
من سيبيريا إلى العمل السياسي السويدي
وُلدت بولينا مالابيرغ في مدينة كورغان في سيبيريا، لأسرة سوفيتية، وكان والدها ضابطاً في الجيش السوفيتي، وفق ما أوردته مجلة «إكسبو».
انتقلت إلى السويد عام 2006، وحصلت على الجنسية السويدية عام 2012، كما غيرت اسم عائلتها من مالاشيفيتش (Malashevich) إلى مالابيرغ (Malaberg).
وخلال مسيرتها الأكاديمية والمهنية، درست الاتصال في جامعة سودرتورن السويدية، كما درست العلوم السياسية مع تركيز على إدارة الأزمات والأمن في كلية الدفاع السويدية.
وسعت أيضاً إلى فرص تدريب وعمل في مؤسسات حكومية سويدية، من بينها هيئة الطوارئ المدنية، وتقدمت للحصول على فرص في عدد من الوزارات، بينها الدفاع والعدل والثقافة والاقتصاد.
ولا تشكل هذه الخلفية بحد ذاتها دليلاً على أي نشاط غير مشروع، بل تعكس مساراً أكاديمياً ومهنياً داخل السويد.
لكن «إكسبو» ترى أن أهمية هذه الخلفية تظهر عند وضعها إلى جانب رحلة روسيا عام 2017 والمنشورات والمواقف التي نسبت إلى مالابيرغ، إضافة إلى نشاطها الثقافي وعلاقاتها الخارجية والعائلية.
الصعود إلى لجنة الدستور
بعد سنوات من رحلة روسيا، انتقلت مالابيرغ إلى موقع أكثر أهمية داخل البرلمان. فمنذ عام 2024 تعمل مستشارة سياسية لنواب حزب ديمقراطيو السويد في لجنة الدستور، وهي لجنة تتعامل مع الرقابة الدستورية ومراجعة أداء الحكومة والوزراء.
وبذلك أصبحت مالابيرغ جزءاً من البيئة السياسية المحيطة بواحدة من أهم اللجان البرلمانية السويدية.
وهذا التحول هو الذي يمنح التحقيق الجديد أهمية خاصة، إذ لم تعد قضية رحلة روسيا مجرد واقعة تعود إلى عام 2017، بل أصبحت جزءاً من نقاش حول شخصية تشغل اليوم موقعاً سياسياً داخل البرلمان السويدي.
أرشيف من المواقف المؤيدة لروسيا
تستند «إكسبو» في تحقيقها أيضاً إلى عدد من المنشورات والمواقف التي تنسبها إلى مالابيرغ خلال السنوات الماضية.
وتقول المجلة إنها نشرت بين عامي 2015 و2017 مواد في منصات إعلامية اعتبرتها مرتبطة بالسرديات الروسية، كما نشرت عام 2015 أغنية حملت عنوان «بوتيني» تضمنت إشارات إيجابية إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وفي سياق ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، تشير «إكسبو» إلى منشورات وصفت فيها مالابيرغ الجنود الروس بأنهم «ضمانات أمنية»، كما عبّرت عن مواقف بشأن سكان شرق أوكرانيا اعتبرتها المجلة متوافقة مع الرواية الروسية.
لكن مواقفها لم تبق على حالها طوال السنوات اللاحقة. فبحسب «إكسبو»، انتقدت مالابيرغ روسيا والنظام الروسي في مواقف حديثة، ولا سيما بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
ومع ذلك، ترى المجلة أن بعض المحتوى الذي نشرته في السنوات الأخيرة ظل يحمل عناصر مؤيدة أو متعاطفة مع الروايات الروسية.
ومن الأمثلة التي أوردتها «إكسبو» منشوراً عام 2025 حول ما وصفته بأنه «إبادة جماعية للشعوب السلافية»، وحصل المنشور على إعجاب من ماتّياس كارلسون (Mattias Karlsson)، أحد الشخصيات البارزة في حزب ديمقراطيو السويد.
ولا يعني ذلك أن هذه المواقف تشكل دليلاً على علاقة استخباراتية، لكنها تدخل، وفق منطق التحقيق، ضمن الصورة التي كان ينبغي تقييمها عند النظر إلى مسار مالابيرغ المهني.
النشاط الثقافي في الدائرة الروسية
لم يتوقف تحقيق «إكسبو» عند السياسة والمنشورات، بل تناول أيضاً النشاط الثقافي لمالابيرغ. فقد شاركت كممثلة هاوية في نشاط مسرحي مرتبط بمسرح «أبيرفالغ»، وتقول المجلة إن المسرح كان جزءاً من شبكة أوسع من المؤسسات الثقافية الروسية في الخارج.
كما تشير إلى صلات بين هذه البيئة ومسرح «بالتك هاوس»، وإلى جمعية ثقافية تحمل اسم «يوريكا» كانت مالابيرغ مرتبطة بها وسعت، وفق التحقيق، إلى الحصول على تمويل عام لنشاطها.
وتشير «إكسبو» أيضاً إلى دور تاتيانا بافلوفا (Tatiana Pavlova)، المديرة الفنية لمسرح «أبيرفالغ»، معتبرة أنها تحركت ضمن شبكات تتداخل فيها الأنشطة الثقافية مع المصالح الحكومية الروسية.
وبحسب المجلة، فإن هذه الشبكات تشكل جزءاً من البيئة الثقافية الروسية التي ارتبطت بها مالابيرغ من خلال نشاطها المسرحي وعلاقاتها بمؤسسات وجمعيات ثقافية.
وتقول بافلوفا إن التعاون مع المصالح الرسمية الروسية توقف بعد عام 2022، عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
ويرى يورغن هولملوند (Jörgen Holmlund)، وهو مفوض شرطة سابق وأحد أكثر خبراء الأمن خبرة في السويد، أن البيئات الثقافية يمكن أن تُستخدم في بعض الحالات لبناء شبكات وعلاقات نفوذ، خصوصاً عندما تتقاطع الأنشطة الثقافية مع مصالح دولة أجنبية.
روابط عائلية تمتد إلى روسيا
يتناول التحقيق أيضاً الروابط العائلية لمالابيرغ، إذ لا تزال والدتها وشقيقتها تقيمان في روسيا، وفق ما نشرته «إكسبو». وفي عام 2023، ساعدت مالابيرغ شقيقتها في الدخول إلى منطقة الحماية داخل البرلمان السويدي.
وتضيف المجلة أن شقيقتها روسية الجنسية وتعمل في مصرف «ألفا بنك» الروسي، الخاضع لعقوبات دولية واسعة. وتطرح «إكسبو» هذه المعطيات ضمن تساؤلاتها حول طبيعة صلات مالابيرغ بروسيا، ولا سيما في ضوء موقعها السياسي داخل البرلمان السويدي.
غوستاف غيلربرانت.. الحلقة التي رفعت حساسية القضية
ربما تكون العلاقة بين مالابيرغ وغوستاف غيلربرانت أكثر عناصر التحقيق حساسية. فغيلربرانت يرأس مكتب تنسيق حزب ديمقراطيو السويد، ويعد قريباً من قيادة الحزب، كما لعب دوراً محورياً في التعاون بين الحزب والحكومة خلال فترة اتفاق تيدو.
وسبق أن عمل داخل مكتب الحكومة السويدية، وتصفه «إكسبو» بأنه من أكثر موظفي الحزب اطلاعاً على الملفات السياسية والحكومية.
وبحسب التحقيق، يعيش غيلربرانت ومالابيرغ معاً منذ عام 2024 في شقة مملوكة لهما في منطقة سوديرورت جنوب مدينة ستوكهولم.
وتقول المجلة إن غيلربرانت خضع لفحص أمني بحكم طبيعة عمله، فيما لم تتمكن من تأكيد بعض التفاصيل المتعلقة بدرجة التصنيف الأمني التي قد يكون خاضعاً لها.
وعندما سألته «إكسبو» عن القضية، قال إنه كان «شفافاً بنسبة مئة في المئة» بشأن المعلومات التي قدمها خلال إجراءات الفحص الأمني التي خضع لها.
وعندما واجهته المجلة بالمنشورات التي وصفتها بأنها مؤيدة لروسيا، جاء رده بصيغة استنكارية، قبل أن يحيل الأسئلة إلى القسم الصحفي في الحزب.
الصمت الحزبي يعيد الأسئلة إلى الواجهة
حاولت «إكسبو» الحصول على إجابات من مالابيرغ ومن قيادة حزب ديمقراطيو السويد حول خلفيتها ورحلة روسيا والمنشورات والنشاط الثقافي، لكنها تقول إنها لم تحصل على إجابات جوهرية عن أسئلتها.
وهنا تتحول القضية من ملف يتعلق بشخص واحد إلى اختبار سياسي للحزب.
فإذا كانت قيادة الحزب تعرف بمشاركة مالابيرغ في رحلة روسيا عام 2017 وبمواقفها ومنشوراتها ونشاطها الثقافي، فإن السؤال يتعلق بالمعايير التي اعتمدتها في تقييم مدى ملاءمتها للاستمرار في العمل السياسي ثم الانتقال إلى لجنة الدستور.
أما إذا لم تكن هذه المعلومات معروفة داخل الحزب، فإن القضية تثير تساؤلات حول مدى فعالية إجراءات التحقق من خلفيات الموظفين السياسيين.
ولا تكشف المواد المنشورة عن سبب رسمي معلن لتعيين مالابيرغ، كما لا تثبت أن الحزب اختارها بسبب خلفيتها الروسية أو بسبب ولائها لروسيا.
القضية إذن ليست إثبات دافع خفي وراء التعيين، وإنما معرفة ما إذا كان الحزب قد عرف هذه الخلفية وكيف قيّمها.
انتقادات تتجاوز قضية مالابيرغ
في مقال رأي نشرته صحيفة «داغنز إي تي سي» في الرابع من سبتمبر أيلول 2026، يضع أندرياس غوستافسون (Andreas Gustavsson) قضية مالابيرغ في سياق سياسي أوسع، معتبراً أنها أحدث حلقة في سلسلة من القضايا التي أثارت جدلاً حول علاقة بعض شخصيات حزب ديمقراطيو السويد الشعبوي بروسيا والأنظمة السلطوية.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق عدداً من الوقائع والشخصيات التي يرى أنها تعكس، من وجهة نظره، مشكلة أوسع داخل الحزب. ويشير إلى قيادي في الحزب بمدينة ناكا وجّه نداءً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعاه فيه إلى التدخل في السويد والإطاحة برئيس وزرائها، قبل أن تتخذ قيادة الحزب إجراءات بحقه بعد الكشف عن صلاته بشبكة يمينية متطرفة.
كما يشير إلى موظف في الحزب يقول إنه تمكن من التغلغل داخل مكاتب البرلمان رغم استخدامه هويات مزيفة وإبرامه صفقات مع رجل أعمال روسي، وإلى عضو آخر في الحزب كان يشغل مقعداً في لجنة الدفاع بالبرلمان ودعا متابعيه، بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، إلى «شكر روسيا».
ويذكر غوستافسون أيضاً إميلي بيلتهامر (Emilie Pilthammar)، التي يصفها بأنها من أبرز مرشحي الحزب في مدينة سولفسبوري، وينتقد مواقفها من الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك رفضها دعم أوكرانيا.
ولا يتوقف الكاتب عند المواقف المرتبطة بروسيا، بل يوسع انتقاده ليشمل ما يعتبره تقارباً داخل حزب ديمقراطيو السويد مع نماذج سياسية سلطوية. ويشير إلى موقف الحزب من فيكتور أوربان وهنغاريا، كما يستحضر زيارة المتحدث السابق باسم الحزب للشؤون الخارجية ماركوس فيشل (Markus Wiechel) والنائب مارتن كينونن (Martin Kinnunen) إلى سوريا عام 2017، معتبراً أن الزيارة قدمت، في رأيه، مادة دعائية لنظام بشار الأسد.
وبحسب غوستافسون، فإن قضية مالابيرغ لا تقتصر على مواقف مؤيدة لروسيا، بل تشمل أيضاً ما يصفه بوجود روابط بشبكات روسية، إلى جانب سعيها في مراحل مختلفة إلى الوصول إلى مؤسسات وبيئات حساسة، من بينها كلية الدفاع السويدية وهيئة الحماية المدنية والاستعداد ووزارتا الدفاع والعدل.
ومن هنا يشدد الكاتب على أن الأمر، في نظره، لا يتعلق بشخصية سياسية محلية هامشية، بل بموظفة تعمل على مقربة من دوائر السلطة السياسية، وهو ما يرفع، بحسب قراءته، مستوى الأسئلة المتعلقة بكيفية التعامل مع خلفيتها وعلاقاتها السابقة ومواقفها من روسيا.
وبحسب قراءة غوستافسون، فإن أهمية هذه الوقائع لا تكمن في كل حالة منفردة، وإنما في تراكمها. فهو يرى أن تكرار المواقف التي تتسم بالتعاطف مع روسيا أو الإعجاب بنماذج سياسية سلطوية يثير تساؤلات حول التوجه الأيديولوجي للحزب، وحول قدرته على إدراك المخاطر المرتبطة بالأنظمة التي تمثل، بحسب الكاتب، تهديداً للديمقراطيات الأوروبية.
ويذهب غوستافسون في مقاله إلى خلاصة شديدة اللهجة، إذ يعتبر أن حزب ديمقراطيو السويد يعرّض أمن السويد الدفاعي والسياسة الأمنية للبلاد للخطر، ويربط ذلك بما يصفه بتكرار حالات سوء التقدير والتجاوزات، وبما يعتبره ميلاً أيديولوجياً داخل الحزب نحو التطرف والأنظمة السلطوية.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية أكبر عند وضعها إلى جانب قضية مالابيرغ. فالموظفة التي رافقت نائب الحزب السابق بافل غاموف في رحلة إلى روسيا عام 2017، والتي تقول «إكسبو» إنها كانت جزءاً من عملية تأثير روسية، لم تغادر البيئة السياسية للحزب بعد تلك الواقعة، بل واصلت مسيرتها حتى وصلت إلى موقع مستشارة سياسية لنواب الحزب في لجنة الدستور بالبرلمان.
ومن هنا ينقل غوستافسون النقاش من قضية موظفة واحدة إلى سؤال أوسع بشأن علاقة حزب ديمقراطيو السويد بروسيا، وقدرته على التعامل مع المخاطر السياسية والأمنية التي قد تنشأ من العلاقات والمواقف التي يرى الكاتب أنها تتقاطع مع مصالح موسكو أو مع نماذج سياسية سلطوية.
السؤال الأمني: من كان يعرف؟
في تعليق منفصل نشرته «إكسبو» في الثالث من سبتمبر أيلول 2026، تركز الكاتبة آنا فريود (Anna Fröjd) على الجانب الأمني في قضية مالابيرغ، معتبرة أن جوهر المسألة لا يتعلق بخلفيتها الروسية وحدها، وإنما بكيفية تعامل حزب ديمقراطيو السويد مع المعلومات المتوافرة عنها، وما إذا كان قد قيّم بصورة جدية المخاطر المرتبطة بموقعها داخل البرلمان.
وتضع فريود القضية في سياق التحول الكبير في التقييم السويدي للتهديد الروسي. فمنذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، لم تعد روسيا تُنظر إليها باعتبارها مجرد تحدٍ أمني إقليمي، بل باعتبارها تهديداً أوسع للسويد وأوروبا، لا يقتصر على احتمال وقوع هجوم عسكري. وتشمل أدوات هذا التهديد، وفق التقييمات الأمنية السويدية، التضليل وحملات التأثير والهجمات السيبرانية وجمع المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب محاولات الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا والمعلومات الحساسة.
ويشير جهاز الأمن السويدي في تقييمه لعام 2026 إلى أن روسيا أصبحت أكثر استعداداً لتحمل المخاطر، وأن سلوكها بات أكثر هجومية من خلال أنشطة تأثير خفية، كما يشير إلى محاولاتها المستمرة للالتفاف على القيود المفروضة عليها. وفي هذا المناخ الأمني، ترى فريود أن حماية المعلومات الحساسة لا تتعلق بالمؤسسات العسكرية وحدها، وإنما تشمل أيضاً المؤسسات السياسية التي توجد فيها معلومات يمكن أن تكون ذات قيمة لقوة أجنبية.
ومن هنا تطرح الكاتبة سؤالها الرئيسي: من كان داخل حزب ديمقراطيو السويد على علم بالظروف المحيطة بمالابيرغ، وكيف جرى تقييمها؟
وتزداد أهمية السؤال بسبب موقع مالابيرغ الحالي مستشارة سياسية لنواب الحزب في لجنة الدستور بالبرلمان، وبسبب علاقتها بغوستاف غيلربرانت، رئيس مكتب تنسيق الحزب، والذي تصفه «إكسبو» بأنه من أكثر موظفي الحزب اطلاعاً على الملفات الحكومية والسياسية.
وبالنسبة إلى فريود، فإن المسألة لا تتعلق بإثبات أن مالابيرغ تشكل خطراً أمنياً، وإنما بمعرفة ما إذا كانت المعلومات المتوافرة عنها قد أُخذت في الاعتبار عند تقييم مدى ملاءمتها للعمل في موقع يتيح لها الاقتراب من معلومات حساسة.
وتشير الكاتبة إلى أن مسؤولية تحديد الحاجة إلى فحص أمني للموظفين السياسيين تقع في الأساس على عاتق الحزب باعتباره جهة العمل. فإذا اعتبر الحزب أن طبيعة الوظيفة تستدعي فحصاً أمنياً، فعليه أن يتولى إجراءه، بينما لا يتدخل البرلمان في القرار نفسه، وإنما يمكنه المساعدة في التحقق من السجلات إذا طلب الحزب ذلك.
وترى فريود أن هذه المسؤولية تكتسب أهمية خاصة في حالة حزب ديمقراطيو السويد، الذي واجه خلال السنوات الماضية عدداً من القضايا المتعلقة بأشخاص عملوا في محيطه البرلماني، وأثارت بعض تلك القضايا تساؤلات حول روابط باليمين المتطرف أو مواقف مؤيدة لروسيا. ولذلك لا ترى الكاتبة أن القضية الحالية يمكن فصلها تماماً عن السؤال الأوسع المتعلق بمدى قدرة الحزب على اكتشاف المخاطر الأمنية والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمات علنية.
وفي هذا السياق، تشير فريود إلى المساعي الحكومية التي بدأت عام 2025 لبحث إنشاء نظام وطني مستقل للتصاريح الأمنية، بهدف ضمان إجراء تقييمات أكثر اتساقاً وفعالية للعاملين في المواقع الحساسة. وترى أن النقاش يعكس الحاجة إلى تطوير آليات التعامل مع التهديدات الحديثة، في وقت لم تعد فيه المخاطر الأمنية مقتصرة على التجسس التقليدي أو العمل العسكري.
وتعود فريود من هذا السياق العام إلى التفاصيل التي كشفتها «إكسبو» بشأن مالابيرغ، وتطرح مجموعة من الأسئلة المحددة: من كان يعلم داخل الحزب بمشاركتها في رحلة روسيا عام 2017؟ ومن كان على علم بالمنشورات والمواقف التي اتخذتها خلال السنوات الماضية؟ وماذا كان الحزب وغيلربرانت يعرفان عن شبكة العلاقات المرتبطة بنشاطها في الجمعية والمسرح «أبيرفالغ»؟ وهل أُخذت هذه المعلومات في الاعتبار في أي فحص أمني خضعت له؟
كما تتساءل الكاتبة عما إذا كان غيلربرانت نفسه قد أفصح عن هذه الظروف خلال التقييمات الأمنية التي خضع لها بحكم طبيعة عمله، ولا سيما إذا كانت المعلومات المتعلقة بمالابيرغ ذات صلة بتقييم مدى ملاءمته للتعامل مع معلومات حساسة أو مصنفة أمنياً.
وتقول فريود إن «إكسبو» حاولت على مدى نحو أسبوعين الحصول على إجابات من مالابيرغ ورئيسها وغيلربرانت والقسم الصحفي في الحزب، لكنها لم تحصل على ردود جوهرية بشأن هذه الأسئلة.
وبالنسبة إلى الكاتبة، فإن غياب الإجابات لا يثبت وجود خطر أمني، لكنه يترك سؤالاً مؤسسياً مفتوحاً: هل أجرى حزب ديمقراطيو السويد بالفعل التقييم الذي كان ينبغي إجراؤه، أم أن المعلومات المهمة لم تدخل أصلاً في عملية اتخاذ القرار؟
وهنا تركز فريود على نقطة أساسية: المشكلة التي تطرحها ليست مالابيرغ وحدها، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الحزب مع المخاطر الأمنية المحيطة بموظفيه. فإذا كان الحزب يعرف بهذه المعلومات، فعليه أن يوضح كيف قيّمها. وإذا لم يكن يعرف، فإن ذلك يثير بدوره تساؤلات حول فعالية إجراءاته الأمنية.
وفي ختام تعليقها، تستشهد فريود بخبير الأمن باتريك أوكسون (Patrick Oksanen)، الذي يرى أن حزب ديمقراطيو السويد «ليس معروفاً عنه التعامل مع مخاطره الأمنية قبل أن تصبح معروفة للعامة».
وبذلك تتحول قضية مالابيرغ، في قراءة فريود، من قصة تتعلق بخلفية موظفة وماضيها إلى اختبار أوسع لمسؤولية الحزب عن معرفة المخاطر وتقييمها وتقليلها، خصوصاً في وقت تعتبر فيه السويد روسيا أكبر تهديد أمني لها، وتتعامل مع حماية المؤسسات والمعلومات الحساسة باعتبارها جزءاً أساسياً من الدفاع عن الديمقراطية والأمن الوطني.
بين النفوذ والتجسس
تكمن حساسية الملف في المنطقة الواقعة بين النفوذ السياسي والتجسس. فالدول والمؤسسات لا تنتظر دائماً دليلاً على التجسس حتى تبدأ في تقييم المخاطر. ويمكن للرحلات السياسية والعلاقات الخارجية والأنشطة الثقافية والمواقف السياسية والعلاقات العائلية أن تدخل ضمن صورة أوسع عندما يتعلق الأمر بشخص يعمل في بيئة حساسة.
لكن ذلك لا يعني أن كل شخص لديه علاقة بروسيا يمثل خطراً أمنياً، ولا أن كل موقف مؤيد للسياسة الروسية يساوي عمالة أو تجسساً.
وفي حالة مالابيرغ، لا تقدم المواد المنشورة دليلاً على أنها نقلت معلومات سرية أو عملت لصالح جهاز استخبارات روسي.
ولهذا فإن القضية، وفق ما هو منشور حتى الآن، تقع أساساً في مجال تقييم المخاطر السياسية والأمنية، لا في مجال إثبات نشاط تجسسي.
اختبار أمني وسياسي لحزب ديمقراطيو السويد
وتأتي القضية في وقت أصبح فيه حزب ديمقراطيو السويد الشعبوي قوة سياسية رئيسية في البلاد، بعدما انتقل خلال السنوات الماضية من موقع هامشي إلى ثاني أكبر الأحزاب السويدية، وبات لاعباً مؤثراً داخل البرلمان وشريكاً أساسياً في التعاون الحكومي.
ومع اتساع نفوذ الحزب، أصبحت الأسئلة المتعلقة بموظفيه ومستشاريه والدوائر المحيطة بقيادته أكثر حساسية مما كانت عليه عندما كان خارج دوائر النفوذ الحكومي. فالمواقع التي يشغلها هؤلاء اليوم تتيح، بدرجات مختلفة، الوصول إلى مؤسسات وملفات ومعلومات لم تكن متاحة للحزب عندما كان على هامش السلطة.
ولهذا فإن قصة مالابيرغ لا تتعلق فقط بخلفيتها أو برحلتها القديمة إلى روسيا، وإنما بكيفية تعامل الحزب مع المعلومات التي قد تكون ذات صلة بتقييم المخاطر المرتبطة بالعاملين في المواقع الحساسة.
فإذا كان الحزب يعرف هذه الخلفية واعتبرها غير مؤثرة في ملاءمة مالابيرغ للعمل، فإن السؤال هو: ما المعايير التي استند إليها في اتخاذ هذا القرار؟ وإذا لم يكن يعرفها، فإن السؤال يصبح أكثر اتساعاً ويتعلق بمدى كفاية عمليات التحقق التي يجريها قبل إسناد وظائف سياسية حساسة.
وهنا تكمن القضية التي أعاد تحقيق «إكسبو» فتحها: موظفة ذات خلفية روسية، رحلة سياسية إلى موسكو، مواقف ومنشورات أثارت الجدل، ثم موقع داخل لجنة الدستور في البرلمان السويدي. وبين هذه المحطات يقف سؤال يتجاوز مالابيرغ نفسها إلى الحزب الذي وظفها: هل تمكن حزب ديمقراطيو السويد من رصد المخاطر وتقييمها قبل أن تصل إلى موقع حساس، أم أن القضية لم تصبح موضع اهتمام فعلي إلا بعد أن تحولت إلى تحقيق صحفي؟
المراجع
السكرتيرة المجهولة «إيلينا»، إكسبو، 3 سبتمبر أيلول 2026.
https://expo.se/fordjupning/den-okanda-sekreteraren-elena/
لماذا يضع حزب ديمقراطيو السويد موظفة موالية لروسيا في لجنة الدستور؟، إكسبو، 3 سبتمبر أيلول 2026.
https://expo.se/kommentar/varfor-placerar-sd-en-prorysk-tjansteman-i-ku/
أندرياس غوستافسون: تحقيق «إكسبو» يكشف أن حزب ديمقراطيو السويد يشكل تهديداً أمنياً للسويد، داغنز إي تي سي، 4 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.etc.se/ledare/expos-avsloejande-visar-att-sd-aer-ett-saekerhetshot-mot-sverige
انتهى

