سبتمبر 15, 2026
0-3

جيمي أوكيسون، زعيم حزب ديمقراطيي السويد، خلال زيارة إلى إسرائيل عام 2024

إيهاب مقبل

كان ديمقراطيو السويد (SD) يقولون للناخب السويدي، لسنوات طويلة، إن السويد يجب أن تأتي أولًا. كانت هذه هي الفكرة التي صنعت صعود الحزب: الهجرة، الجريمة، الهوية الوطنية، والثقافة السويدية. وكان الحزب يقدم نفسه بوصفه القوة السياسية التي لن تتردد في الدفاع عن هذه القضايا مهما كان الضغط من الأحزاب الأخرى.

لكن شيئًا تغير. فالحزب الشعبوي الذي كان يطالب الناخب بأن يضع السويد أولًا بات يتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن «إسرائيل»، وأمن اليهود، والعلاقات مع الحكومة الإسرائيلية، ونقل السفارة السويدية من تل أبيب إلى القدس. وفي الوقت الذي أصبحت فيه حرب غزة واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام في أوروبا، اختار SD أن يكون من أكثر الأصوات وضوحًا في دعم إسرائيل.

قد يكون هذا الموقف مقبولًا لدى جزء من الناخبين. لكنه، بالنسبة إلى آخرين، يطرح سؤالًا بسيطًا ومحرجًا: «متى أصبحت إسرائيل بهذه الأهمية في مشروع حزب يقول إن السويد أولًا؟!».

من «السويد أولًا» إلى «إسرائيل» في قلب الخطاب
المشكلة بالنسبة إلى SD ليست بالضرورة أن الحزب يؤيد إسرائيل. الأحزاب السويدية قد تتبنى المواقف التي تريدها في السياسة الخارجية.

المشكلة السياسية هي الصورة التي تصل إلى الناخب. فالناخب الذي اعتاد أن يسمع من SD أن الأولوية هي السويد، والمواطن السويدي، والهوية الوطنية، قد لا يجد نفسه بالضرورة في خطاب يجعل أمن اليهود والعلاقة مع إسرائيل من القضايا البارزة في هوية الحزب.

وهنا تبدأ المسافة بين الحزب وقاعدته المحتملة. فإذا كان الناخب يصوت لـSD لأنه يريد تشديد سياسة الهجرة، ومواجهة الجريمة، وحماية الثقافة السويدية، فما الذي يجعله يتمسك بالحزب عندما يصبح الخطاب السياسي أكثر انشغالًا بقضايا خارجية لا تمثل بالنسبة إليه أولوية؟! هذه ليست مسألة أيديولوجية صغيرة. إنها مسألة هوية سياسية.

غزة جعلت الموقف أكثر تكلفة
لو كان الموقف من إسرائيل يُناقش في فراغ سياسي، ربما كان الأمر مختلفًا. لكن إسرائيل اليوم ليست مجرد ملف في السياسة الخارجية.

الحرب في غزة جعلت الموقف من إسرائيل قضية أخلاقية وسياسية شديدة الحساسية. صور الضحايا والدمار والمناقشات حول سلوك الحكومة الإسرائيلية جعلت قطاعات من الرأي العام الأوروبي أكثر انتقادًا لإسرائيل.

وفي هذا المناخ، لم يتراجع SD إلى منطقة رمادية. بل اختار موقفًا واضحًا. وهذا الوضوح قد يكون نقطة قوة لدى مؤيدي الحزب، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون نقطة ضعف أمام ناخبين آخرين.

فالناخب لا يصوت للحزب فقط بسبب ما يقوله عن قضية واحدة، وإنما بسبب مجموع القضايا التي يعتقد أن الحزب يمثلها. وإذا بدأ يشعر أن الحزب يبتعد عن الأولويات التي دفعته أصلًا إلى التصويت له، فمن الطبيعي أن يبدأ في البحث عن بديل.

المشكلة أكبر من إسرائيل
لكن اختزال خسارة SD في إسرائيل وحدها سيكون مريحًا أكثر مما ينبغي. الحقيقة الأكثر إزعاجًا للحزب هي أنه تغير في ملفات كثيرة.

الحزب الذي كان متشككًا في الناتو أصبح مؤيدًا لعضوية السويد. والحزب الذي كان أكثر تشددًا تجاه الاتحاد الأوروبي أصبح أكثر براغماتية. والحزب الذي بنى صورته على المعارضة أصبح شريكًا في منظومة الحكم.

وفي السياسة، الصورة مهمة بقدر المواقف نفسها.

لقد انتقل SD من موقع الحزب الذي يقول للحكومة: «أنتم المشكلة»، إلى موقع الحزب الذي يمكن للناخب أن يسأله: «أنتم في السلطة الآن، فما الذي فعلتموه؟!».

وهنا فقد الحزب شيئًا من قوته القديمة، فقد القدرة على تقديم نفسه بوصفه البديل عن المؤسسة السياسية.

حين يصبح النجاح مشكلة
يمكن تشبيه وضع SD ببقال فتح متجره ونجح لأنه كان يبيع نوعًا من البضاعة لم يكن منافسوه يبيعونه. جاء الزبائن إليه تحديدًا لأنهم كانوا يريدون هذه البضاعة.

ومع مرور الوقت، بدأ أصحاب المتاجر الأخرى يلاحظون نجاحه. فقرروا أن يبيعوا البضاعة نفسها، بل ووضعوها على الرفوف الأمامية لجذب الزبائن.

هنا تظهر المفارقة، فالبقال الأصلي نجح في السوق إلى درجة أنه جعل منافسيه يقلدونه.

فإذا أصبح الزبون يستطيع شراء البضاعة نفسها من المتجر القريب، وبالسعر نفسه، وربما مع خيارات إضافية، فما الذي سيدفعه للذهاب إلى المتجر الأصلي؟

وهذا، إلى حد ما، هو التحدي الذي يواجه SD. فقد نجح الحزب في دفع قضايا مثل الهجرة والجريمة إلى قلب النقاش السياسي السويدي، وأصبحت بعض مواقفه أكثر حضورًا في سياسات الأحزاب الأخرى والحكومة.

وبذلك يكون الحزب قد ربح المعركة الفكرية في بعض الملفات، لكنه يواجه الآن سؤالًا انتخابيًا صعبًا، فإذا أصبحت البضاعة التي كان SD يحتكر بيعها موجودة على رفوف المتاجر المنافسة، فما الذي يميز متجر SD عن غيره؟!

وهنا تكمن معضلة حزب الاحتجاج، فكلما نجح في إقناع الآخرين بتبني أفكاره، أصبح من الأصعب عليه أن يقنع الناخب بأن التصويت له ما زال ضروريًا.

فالبقال لا يحتاج فقط إلى أن ينجح في بيع بضاعته، بل يحتاج أيضًا إلى أن تبقى هذه البضاعة مميزة في نظر الزبائن. فإذا نجح في إقناع جميع المتاجر المنافسة ببيع البضاعة نفسها، فقد يجد نفسه أمام مفارقة صعبة: «نجاحه في نشر بضاعته هو نفسه ما أفقدها قيمتها كميزة تميّزه عن الآخرين».

إسرائيل أصبحت رمزًا لتحول الحزب
من هذه الزاوية، فإن خطاب SD المؤيد لإسرائيل ليس مجرد قضية خارجية. إنه أصبح رمزًا لتحول الحزب نفسه.

فبالنسبة إلى منتقديه، لم يعد الحزب الذي عرفوه قبل سنوات. وبالنسبة إلى بعض ناخبيه السابقين، قد يكون السؤال ليس «هل نؤيد إسرائيل؟»، وإنما «هل ما زال هذا الحزب يمثل الأولويات التي صوتنا من أجلها؟».

وهذه نقطة فارقة. فالناخب الذي يشعر بأن حزبه ابتعد عن هويته لا يحتاج إلى أن يصبح معارضًا له حتى يتوقف عن التصويت له. يكفي أن يشعر بأن هناك حزبًا آخر أقرب إلى ما يريده.

لذلك، فإن الخطر الأكبر على ديمقراطيي السويد ليس خسارة عدد محدد من الأصوات بسبب موقف واحد. الخطر هو تراكم التحولات.

خطاب أكثر قربًا من إسرائيل. سياسة خارجية مختلفة. عضوية في الناتو. دعم قوي لأوكرانيا. براغماتية أكبر تجاه الاتحاد الأوروبي. شراكة حكومية مع الأحزاب التقليدية.

كل ذلك يرسل رسالة واحدة محتملة إلى الناخب القديم: «SD لم يعد الحزب الذي كنت تصوت له احتجاجًا على النظام؛ لقد أصبح جزءًا من النظام».

حين يفقد الحزب سبب وجوده
وقد يكون هذا هو التفسير الأعمق لتراجع الحزب في انتخابات 2026. فالأرقام تقول إن SD تراجع من 20.5% في انتخابات 2022 إلى 17.5% في انتخابات 2026، أي انخفاض قدره 3 نقاط مئوية. ولم يقتصر التراجع على نسبة الأصوات، بل خسر الحزب نحو 11 مقعدًا في البرلمان مقارنة بانتخابات 2022، حين حصل على 73 مقعدًا وأصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان. ووفق النتائج الأولية، تراجع SD إلى المركز الثالث، بعدما انخفض عدد مقاعده إلى نحو 62 مقعدًا، خلف حزب المحافظين المعتدلين الذي حل في المركز الثاني.

لكن وراء هذه الأرقام قصة سياسية أكبر. فالناخب يمكن أن يغفر للحزب تسوية هنا أو تنازلًا هناك. ويمكنه أن يتفهم أن المشاركة في السلطة تفرض بعض التنازلات. لكنه قد لا يغفر له شيئًا أكثر جوهرية: «أن يشعر بأن الحزب لم يعد هو الحزب الذي صوت له أصلًا».

وهنا تعود المفارقة إلى الواجهة. فقد نجح SD في دفع قضايا مثل الهجرة والجريمة إلى قلب النقاش السياسي السويدي، حتى أصبحت بعض مواقفه جزءًا من السياسة الرسمية. لكنه، في الوقت نفسه، أصبح شريكًا في المنظومة السياسية التي كان يهاجمها، وتغيرت مواقفه في عدد من الملفات الخارجية، وأصبح خطابه المؤيد لإسرائيل أكثر وضوحًا.

وفي السياسة، لا يكفي أن تحقق بعض أهدافك. عليك أيضًا أن تحافظ على السبب الذي يجعل الناخب يحتاج إليك.

وربما تكون هذه هي المشكلة التي واجهها SD في 2026، فلقد نجح الحزب في جعل الآخرين يتبنون جزءًا من أفكاره، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إقناع الناخب بأنه لا يزال مختلفًا عنهم.

وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن ديمقراطيي السويد أحبوا إسرائيل أكثر مما ينبغي، بل أن بعض ناخبيهم بدأوا يتساءلون عما إذا كان الحزب لا يزال يمثل الفكرة التي جعلتهم يصوتون له أصلًا.

وهنا تكمن المعضلة التي لا يستطيع أي خطاب انتخابي إخفاءها: «عندما يفقد الحزب وضوح هويته، لا يحتاج الناخب إلى كرهه كي يتركه. يكفي ألا يعود بحاجة إليه».