
شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
على مدار تاريخ الأدب العربي، ظلت تهمة “السرقة الأدبية” شبحاً يطارد كبار الشعراء، ومعيارا نقديا صارما يُحتكم إليه في تقييم أصالة المبدعين. وقد كان أبو الطيب المتنبي، بثقته الشعرية العالية وحضوره الطاغي، من أبرز من طالتهم هذه الاتهامات؛ إذ تتبع خصومه أبياته بحثاً عن أي تقاطع أو تشابه بين معانيه ومعاني من سبقوه، سعياً إلى إظهاره بمظهر من يستعير من تراث غيره دون إضافة تُذكر. وفي سياق هذا الجدل النقدي، برز دور أبي الفتح ابن جني النحوي، الذي لم يقتصر عمله على شرح الديوان، بل قدّم مقاربة نقدية دقيقة أعادت النظر في تهمة السرقة من أساسها، وحوّلتها إلى شاهد على قدرة الشاعر الإبداعية.
أدرك ابن جني بوعيه النقدي المبكر أن المعاني لا تُخلق من العدم، وأن اللغة بطبيعتها تراكمية. اختار ابن جني أن يواجه تهمة السرقة بحركة نقدية جريئة؛ إذ راح هو نفسه، في كتابه “الفسر”، يبحث عن “الأشباه والنظائر”، متعقباً الجذور الأولى التي استقى منها المتنبي معانيه، سواء من القرآن الكريم، أو من كلام العرب، أو من قصائد شعراء جاهليين كالأعشى وتأبط شراً. بهذا وضع ابن جني علاقة المتنبي بالتراث السابق موضع تحليل صريح، مقراً بأن الشاعر يقرأ، ويتأثر، ويقتبس.
شكّل هذا الإقرار في جوهره حجر الأساس لدفاع ابن جني؛ فقد انطلق من إثبات التشابه إلى إبراز “الفارق المبتكر”. يرى ابن جني أن أخذ المتنبي للمعنى لا يرقى إلى مرتبة السرقة، بل يندرج ضمن عملية “تصرف” و”إضافة”. فالشاعر يأخذ المعنى الخام من سابقه، لكنه لا ينسخه، بل يكسوه بألفاظه الخاصة، ويحوره، ويضيف إليه تشبيهات أعمق واستعارات أبلغ. وقد أثبت ابن جني من خلال التحليل الدقيق للنصوص أن المتنبي يتناول المعنى القديم فيطوره ويعيد صياغته، بحيث يتفوق اللاحق على السابق في جودة الصياغة وكثافة الدلالة.
وقد واجهت هذه المنهجية استنكاراً من بعض علماء عصر ابن جني، الذين عابوا عليه إثقال شعر المتنبي بالاستشهادات. غير أن مسار النقد اللاحق أظهر قيمة هذا الاتجاه؛ إذ أسهم ابن جني في تخفيف وطأة تهمة السرقة الميكانيكية عن فحول الشعر العربي، مؤسساً لمفهوم يرى أن الإبداع لا يكمن بالضرورة في اختراع معانٍ لم تُطرح من قبل، بل في القدرة على الدخول في حوار عميق مع التراث، واستيعابه، وإعادة إنتاجه بصياغة تتجاوز الأصل.
