سبتمبر 24, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

يشرح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين المَعْرُوف والمَشْهُور، فكلاهما يتعلق بانتشار الشيء ووضوحه بين الناس، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في البُعد الأخلاقي والقيمي، وسبب الشيوع، ونوع الذيوع (ذيوع القَبُول والسلامة مقابل مجرد الشيوع والشهرة): المَعْرُوف (الخير المستحسن شرعاً وعقلاً والمتسق مع الفطرة) هو كل ما تُقِرُّه الشريعة، وتستحسنه العقول السليمة، وتطَمَئِنُّ إليه النفوس، مما ثبت حسنه بالطبع أو الشرع، وسمي “معروفاً” لأن النفوس الفاضلة تعلَمُهُ وتسكن إليه ولا تنكره. مأخوذ من “العُرْف” و”المَعْرِفَة” وهو ضد “المُنْكَر”، فالأصل فيه الاقتران بالخير، والحسن، والإحسان، والسكينة. ويكون المعروف معروفاً في ذاته وحقيقته حتى وإن لم يشتهر بين جمعٍ غفير من الناس. ورد “المَعْرُوف” في القرآن الكريم في مواضع عديدة مقترناً بالأمر بالخير، والمعاملة الحسنة، والأخلاق الفاضلة: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” (آل عمران 110) مقابل المنكر. “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (النساء 19) أي بالصحبة الجميلة والإحسان المستحسن شرعاً وعقلاً. “قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى” (البقرة 263). المَشْهُور (المستفيض الشائع المتداول بين الناس) هو الأمر الذي وضح وشاع وذاع خبره بين جمعٍ كبير من الناس حتى صار ممتداً لا يخفى على أحد، سواء كان ذلك الأمر خيراً أو شراً، حقاً أو باطلاً. مأخوذ من “الشُّهْرَة” و”الشَّهْر” (وضوح الهلال وثبوته)، يُقال “شَهَرَ السَّيْفَ” أي سلّه وأوضحه، و”أَمْرٌ مَشْهُورٌ” أي معلومٌ بين الناس مستفيض. فالشهرة تتعلق بـ “الشيوع والانتشار والظهور” بصرف النظر عن القيمة الأخلاقية للشيء. يُستعمل في العلوم واللغة والمصطلح (كالحديث المشهور، أو الرأي المشهور) للإشارة إلى كثرة رواته أو المتداولين له. ولا يلزم من “المشهور” أن يكون محموداً، فقد يكون مشهوراً بالخير أو مشهوراً بالشر والفساد. المَعْرُوف هو كل أمرٍ استحسنته الشريعة والعقول السليمة وتأنس به الفطرة (وهو نقيض المنكر ويتضمن القيمة الأخلاقية والخير ذاتياً)، بينما المَشْهُور هو ما شاع وذاع وانتشر بين الناس واستفاض خبره (يتعلق بظاهرة الانتشار والشيوع بغض النظر عن كونه خيراً أو شراً). فكل معروفٍ عند أهل الفضل محمود، وليس كل مشهورٍ معروفاً بالخير فقد يشتهر المنكر والباطل.

يُميّز بين المُسَاوَاة والمُمَاثَلَة (أو المِثْلِيَّة)، فكلاهما يتعلق بالتطابق والتقارُب بين الأشيَاء، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في محلّ التطابق (في المقدار والكمّ مقابل الجوهر والصفة)، والعموم، المُسَاوَاة (التكافؤ في المقدار أو القيمة أو الحقوق) هي التعادل والتكافؤ بين شيئين أو أكثر في المقدار المادي، أو القيمة المعنوية، أو الحكم الإجرائي، دون أن يشترط ذلك اتحادَهما في الشكل أو الصفات الذاتية. مأخوذة من “سَوِيَ” و”السَّوَاء” أي الاستواء والتعادل، يُقال “سَاوَى الشيءُ الشيءَ” أي عادَلَهُ في القيمة أو المساحة أو الوزن. فالمساواة تتعلق غالباً بالقياس، والقدر، والحقوق، والتكافؤ الإجرائي (كالمساواة أمام التكليف أو الحساب). ورد نفي “المساواة” في القرآن الكريم لبيان التفاوت في القدر والمنزلة والجزاء بين أهل الخير والشر، أو بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (الزمر 9) نفي الاستواء والمساواة في الفضل والرتبة. “لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ” (الحشر 20).”حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ” (الكهف 96) أي عادَلَ وسَوَّى في الارتفاع والمقدار الهندسي. المُمَاثَلَة (التطابق في الصفة والجوهر والخصائص) هي الشّبَه والتطابق بين شيئين في الصفات الذاتية، أو الصورة، أو الخصائص الجوهرية، بحيث يسد أحدهما مسد الآخر أو يشبهه شبهاً تاماً في هيئته وحقيقته. مأخوذة من “المِثْل” و”المِثْلِيَّة” وهو الشَّبَه ونظير الشيء، فالْمُمَاثَلَة أخصّ من المساواة، إذ تقتضي التشارك في الذات والصفات أو الهيئة والصورة. جاءت “المماثلة” و”المثل” في القرآن الكريم للتعبير عن المشابهة التامة في الذات أو العقاب، ونُفِيَت نَفْياً مطلقاً عن الله تعالى لعدم وجود شبيهٍ أو نظيرٍ له في ذاته وصفاته: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11) نفي تام للمماثلة والنظير والشبه في الذات والصفات. “جَزَاءً وِفَاقًا” و “فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ” (المائدة 95) أي مماثلاً ومكافئاً له في الصفة والقدر. المُسَاوَاة هي التكافؤ والتعادل في المقدار أو القيمة أو الحقوق (حتى لو اختلفت الذوات والصور، كالمساواة في الأجر أو المساواة في المساحة)، بينما المُمَاثَلَة هي التطابق والشَّبَه في الذات والصفات والخصائص الجوهرية (بحيث يكون الشيء نظيراً ومثيلاً لغيره). فكل مُمَاثِلٍ مُسَاوٍ، وليس كل مُسَاوٍ مُمَاثِلاً.

يبين الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين التَّبْدِيل والإِبْدَال، فكلاهما يُعبّر عن إقامة شيء مقام شيء آخر، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في محلّ التغيير (الذات والصفة مقابل الحرف واللفظ)، والشمول، والإرادة، والاستعمال القرآني والصرفي: التَّبْدِيل (تغيير ذات الشيء أو صفاته كلياً أو نفي استقراره) هو رفع الشيء وإزالة ذاته أو صفاته وحكمه، وجعل شيء آخر بدلاً عنه، أو تحويل حاله من حال إلى حال مغايرة تماماً. الأصل والصفة: مأخوذ من “بَدَّلَ” (على وزن فَعَّلَ للتكثير والمبالغة والتغيير الشامل)، فالتبديل يقع في الأعيان، والأحكام، والشرائع، والجلود، والطبائع. والأصل فيه التغيير الجذري الذي ينقل الشيء عن أصله بالكامل. ورد “التَّبْدِيل” وفعله بكثرة في القرآن الكريم للتعبير عن تغيير الشرائع، أو جلود أهل النار، أو سنن الله التي لا تتغير: “فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ” (البقرة 59) أي غيروا المضمون والذات. “كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ” (النساء 56) أي خلقنا بدلاً عنها جلوداً جديدة. “وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” (الأحزاب 62) نفي تام للتغيير والتحويل في السنن الإلهية. الإِبْدَال (تغيير موقع أو إقامة شيء مقام آخر مع بقاء الأصل أو في الصياغة) هو جعل شيء مكان شيء آخر مع رعاية التقارب أو المناسبة، ويُطلق في الاصطلاح الصرفي واللغوي على وضع حرف مكان حرف آخر في الكلمة لتسهيل النطق أو لعلة تصريفية (كإبدال الواو ياءً أو التاء طاءً). الأصل والصفة: مأخوذ من “أَبْدَلَ” (على وزن أَفْعَلَ للتعدية والتوجيه)، والإبدال أخصّ وأدقّ من التبديل، إذ يُستعمل كثيراً في المسائل الدقيقة، أو التعويض المباشر، أو المعالجة اللفظية، مع بقاء الأصل المعنوي أو الهيكلي. جاء اللفظ في القرآن للتعبير عن العوض والتغيير النافع بدلاً عن الفاسد: “فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا” (الكهف 81) إشارة إلى التعويض الإلهي والبديل الزكي. وفي الصرف اللغوي يُقال: “الإبدال والإعلال” (كإبدال الياء ألفاً في “قال” من “قول”). التَّبْدِيل هو التغيير الشامل المباشر لذات الشيء أو صفته أو حُكمه (ينقل الشيء كلياً، ويُستعمل في الأعيان والشرائع والسنن)، بينما الإِبْدَال هو وضع شيء موضع آخر تعويضاً أو تسهيلاً (ويكثر استعماله الصرفي في إقامة حرف مكان حرف، وفي التعويض المباشر مع حفظ المقصد). فالتبديل أعمّ وأشدّ تغييراً في الذوات، والإبدال أخصّ وأدقّ في التعويض والصياغة.