
د. فاضل حسن شريف
جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام عن البينة الشرعية: مصطلح قضائي، ويُراد منها شهادة العدلين، أو الشاهد المتعدّد، ولا إشكال في حجّيتها في الشريعة، وهذا مادلت عليه الروايات الواردة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام. صرّح الفقهاء في مختلف أبواب الفقه أنّها حجّة في جميع الموضوعات الفقهية، واستدلوا على ذلك بالكتاب، والسنة، وسيرة العقلاء، وذكروا للبيّنة شروطاً كثيرةً يرجع أكثرها إلى صفات الشاهد منها: البلوغ والعقل والإيمان. تعريفها: البيّنة: الدلالة والحجّة الواضحة، من بان يبين بياناً وتبياناً: اتّضح، فهو بيّن كسيّد، وبيّن وتبيّن واستبان كلّها بمعنى الوضوح والانكشاف، واستعملها الفقهاء في كتاب القضاء في شهادة العدلين أو الشاهد المتعدّد. حجية البينة: لا إشكال في حجّية البيّنة ـ بمعنى شهادة العدول ـ في الشريعة، إلاّ أنّه يحتاج إليها في نقل الأحكام الكلّية، أو تختصّ حجّيتها بباب الدعاوى أو تعمّ مطلق الموضوعات تفصيل ذلك فيما يلي: في الأحكام: المعتبر في باب نقل الأحكام والروايات إخبار الثقة، سواء كان عدلاً أم لا، ولم يشترطوا التعدّد فيها، فيكفي العدل أو الثقة الواحد، ومن هنا جاء على لسان بعض الفقهاء: أنّ البيّنة ـ بمعنى شهادة العدل المتعدّد ـ إنّما يحتاج إليها في الموضوعات والدعاوى لا في نقل الأحكام، (أي الروايات الصادرة عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم والمعصومين). في الموضوعات: حجّيّة البيّنة في الدعاوى: البيّنة من طرق الإثبات القضائي، وتثبت بها دعوى المدّعي، وهذا مادلت عليه الروايات الواردة من النبيصلی الله عليه وآله وسلم وأهل البيتعليها السلام منها: روي عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أنه قال: (البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه). عن سليمان بن خالد عن الإمام الصادقعليه السلام قال: (في كتاب عليعليه السلام: أنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى ربّه، فقال: يا ربّ، كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟ قال: فأوحى اللّه إليه: أحكم بينهم بكتابي، وأضفهم إلى اسمي، فحلّفهم به، وقال: هذا لمن لم تقم له بيّنة). حجّية البيّنة في غير الدعاوى من الموضوعات: صرح الفقهاء في مختلف أبواب الفقه أنّ البيّنة حجّة بصورة عامّة وفي جميع الموضوعات، بل صرّح جماعة بثبوت موضوعات الأحكام في جميع الأبواب الفقهية، فيثبت موضوع النجاسة، والطهارة، والقبلة والوقت وأسباب التحريم في النكاح والوكالات والوصايا وغيرها بالبيّنة. قال الشيخ الطوسي: (لا يثبت النكاح والخلع، والطلاق والقذف والقتل الموجب للقود والوكالة والوصيّة إليه إلاّ بشهادة رجلين)، وقد استدلّ على اعتبار البيّنة في مطلق الموضوعات بوجوه: الأول: الكتاب، كقوله تعالى: “وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم” (البقرة 282) وقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَينِكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثنَانِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُم” (المائدة 106) وغيرها من الآيات وإن كان أغلبها في موارد خاصة إلاّ أنّ المستفاد منها أنّ اللّه جعل البيّنة طريقاً وكاشفاً مثل العلم، فتثبت بها مطلق الموضوعات، ولا خصوصية للموارد المذكورة. الثاني: السنة، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال: (كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو خُدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة). الثالث: السيرة وبناء العقلاء، فقد استقرّت سيرة العقلاء على كون شهادة شخصين موثّقين طريقاً مثبتاً إلى الموضوعات التي تترتّب عليها الأحكام العرفية والعقلائية.
شروط البينة: ذكروا للبيّنة شروطاً كثيرةً يرجع أكثرها إلى صفات الشاهد، وقسّمها العلامة الحلي إلى شروط عامّة لابدّ من حصولها في جميع الموارد، وهي: البلوغ والعقل والإيمان والعدالة وطهارة المولد، وشروط خاصّة لا يشترط حصولها في جميع الموارد، كالذكورة والعدد والحرّية والعلم. تعارض البيّنتين: عند مشهور الفقهاء التساقط عند تعارض البيّنتين؛ لعدم إمكان شمول دليل الحجّية لكليهما؛ لاستحالة العمل بالمتعارضين، وكذا لا يمكن شموله لأحدهما؛ وذلك لبطلان ترجيح أحدهما على الآخر، فالمتعيّن التساقط. تعارض البيّنتين له أقسام: أن تكون إحداهما مستندة إلى الوجدان والاُخرى إلى التعبّد، فتُقدم البيّنة الوجدانيّة. أن تكون البيّنتان معاً وجدانيّتين، وظاهرهم أنّ التعارض مستحكم في هذه الصورة، فالحكم التساقط. أن تكون البيّنتان معاً تعبّديّتين، فإن استندت إحداهما إلى الاستصحاب والاُخرى إلى أصالة الطهارة، فالمتعيّن الأخذ بالمستندة إلى الاستصحاب. وأمّا إذا كان مستندهما معاً الاستصحاب فالمعروف التساقط.
جاء في موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني: الاستفتاءات: القضاء: 1- السؤال: هل يجوز العمل بوظيفة (نائب المدعي العام)؟ الذي يكون عمله كالآتي: عندما يصدر قاضي التحقيق قراراً بالدعوى كأن يكون اصدار أمر قبض بحق متهم بجريمة السرقة او جريمة القتل وغيرها او اخلاء سبيل متهم من الحبس او إحالة متهم إلى محكمة الجنايات، يعرض هذا القرار على نائب المدعي العام، فإما ان يقول ان القرار موافق للقانون ويوقع او يقول ان القرار غير موافق للقانون ويميز القرار امام محكمة الجنايات؟ الجواب: لا بأس بالعمل في الوظيفة المذكورة إذا كان بقصد حماية حقوق المواطنين ودفع الضرر عنهم مع التجنب عن تصحيح الأوامر الأخرى. 2- السؤال: ما حكم تصدي المرأة لأمر القضاء أو ما يتقدمه من التحقيق في الدعاوي الحقوقية والجزائية والأمور الحسبية، أو ما يتعقبه من إبلاغ الحكم أو تنفيذه؟ الجواب: ليس لها الحكم في المنازعات ولكن لا مانع من تصديها لمقدماته وما يتعقبه من الأمور المذكورة. 3- السؤال: هل يجوز لغير المجتهد أن يتصدى للقضاء؟ الجواب: كلا فهو منصب للحاكم الشرعي المجتهد فقط. 4- السؤال: ما هو الفرق بين المفتي والقاضي؟ الجواب: القضاء هو الحكم بين الناس فيما يقع بينهم من التنازع في حق أو نحوه ويفترق عن الإفتاء في كونه إنشاء الحكم في مورد التنازع بخلاف الإفتاء الذي هو إخبار عن الحكم في المسألة الشرعية. مضافاً إلى أن مورد القضاء إنما هو القضايا الشخصية بخلاف الإفتاء فإن مورده هو الأحكام الكلية من دون نظر إلى تطبيقها على مصاديقها نعم قد يتصدى الفقيه لتطبيق الحكم الكلي على الواقعة الخاصة فيخير بالحكم الجزئي تسهيلاً للأمر على المستفتي كما لو سُئل عن كيفية تقسيم تركة ميت فحدّد المفتي حصة كل واحد من ورثته حسب فتواه.
عن مؤسسة الخوئي الخيرية: كتاب القضاء: ( مسألة 20 ): لا يجوز الترافع إلى حاكم آخر بعد حكم الحاكم الاول، ولا يجوز للآخر نقض حكم الاول إلا إذا لم يكن الحاكم الاول واجدا للشرائط، أو كان حكمه مخالفا لما ثبت قطعا من الكتاب والسنة. ( مسألة 21 ): إذا طالب المدعي حقه وكان المدعى عليه غائبا، ولم يمكن إحضاره فعلا، فعندئذ إن أقام البينة على مدعاه حكم الحاكم له بالبينة وأخذ حقه من أموال المدعى عليه ودفعه له وأخذ منه كفيلا بالمال. والغائب إذا قدم فهو على حجته فإن أثبت عدم استحقاق المدعي شيئا عليه استرجع الحاكم ما دفعه للمدعى ودفعه للمدعى عليه. ( مسألة 22 ): إذا كان الموكل غائبا، وطالب وكيله الغريم بأداء ما عليه من حق، وادعى الغريم التسليم إلى الموكل أو الابراء، فإن أقام البينة على ذلك فهو، والا فعليه أن يدفعه إلى الوكيل. ( مسألة 23 ): إذا حكم الحاكم بثبوت على شخص وامتنع المحكوم عليه عن الوفاء جاز للحاكم حبسه واجباره على الاداء نعم إذا كان المحكوم عليه معسرا لم يجز حبسه بل ينظره الحاكم حتى يتمكن من الاداء. احكام اليمين: ( مسألة 24 ): لا يصح الحلف الا بالله وبأسمائه تعالى ولا يعتبر فيه أن يكون بلفظ عربي بل يصح بكل ما يكون ترجمة لاسمائه سبحانه. ( مسألة 25 ): يجوز للحاكم أن يحلف أهل الكتاب بما يعتقدون به ولا يجب الزامهم بالحلف بأسمائه تعالى الخاصة. ( مسألة 26 ): هل يعتبر في الحلف المباشرة أو يجوز فيه التوكيل فيحلف الوكيل نيابة عن الموكل ؟ الظاهر هو اعتبار المباشرة. ( مسألة 27 ): إذا علم أن الحالف قد ورى في حلفه وقصد به شيئا آخر ففي كفايته وعدمها خلاف والاظهر عدم الكفاية. ( مسألة 28 ): لو كان الكافر غير الكتابي المحترم ماله، كالكافر الحربي أو المشرك أو الملحد ونحو ذلك، فقد ذكر بعض أنهم يستحلفون بالله وذكر بعض أنهم يستحلفون بما يعتقدون به على الخلاف المتقدم، ولكن الظاهر أنهم لا يستحلفون بشئ ولا تجري عليهم أحكام القضاء. ( مسألة 29 ): المشهور عدم جواز احلاف الحاكم أحدا إلا في مجلس قضائه، ولكن لا دليل عليه فالاظهر الجواز. ( مسألة 30 ): لو حلف شخص على أن لا يحلف أبدا، ولكن اتفق توقف اثبات حقه على الحلف جاز له ذلك.
( مسألة 31 ): إذا ادعى شخص مالا على ميت، فان ادعى علم الوارث به والوارث ينكره فله احلافه بعدم العلم والا فلا يتوجه الحلف على الوارث. ( مسألة 32 ): لو علم أن لزيد حقا على شخص، وادعى علم الورثة بموته، وأنه ترك ما لا عندهم، فان اعترف الورثة بذلك لزمهم الوفاء، والا فعليهم الحلف إما على نفي العلم بالموت أو نفي وجود مال للميت عندهم. ( مسألة 33 ): إذا ادعى شخص على مملوك، فالغريم مولاه ولا أثر لاقرار المملوك في ثبوت الدعوى بلا فرق في ذلك بين دعوى المال والجناية نعم إذا كانت الدعوى أجنبية عن المولى كما إذا ادعى على العبد اتلاف مال واعترف العبد به ثبت ذلك ويتبع به بعد العتق وبذلك يظهر حكمما إذا كانت الدعوى مشتركة بين العبد ومولاه كما إذا ادعى على العبد القتل عمدا أو خطأ واعترف العبد به فانه لا أثر له بالنسبة إلى المولى، ولكنه يتبع به بعد العتق. ( مسألة 34 ): لا تثبت الدعوى في الحدود الا بالبينة أو الاقرار، ولا يتوجه اليمين فيها على المنكر. ( مسألة 35 ): يحلف المنكر للسرقة مع عدم البينة، فان حلف سقط عنه الغرم، ولو أقام المدعي شاهدا وحلف غرم المنكر وأما الحد فلا يثبت الا بالبينة أو الاقرار ولا يسقط بالحلف فاذا قامت البينة بعد الحلف جرى عليه الحد. ( مسألة 36 ): إذا كان على الميت دين، وادعى الدائن أن له في ذمة شخص آخر دينا، فان كان الدين مستغرقا رجع الدائن إلى المدعى عليه وطالبه بالدين فان أقام البينة على ذلك فهو، والاحلف المدعى عليه، وان لم يكن مستغرقا فان كان عند الورثة مال للميت غير المال المدعى به في ذمة غيره رجع الدائن إلى الورثة وطالبهم بالدين وان لم يكن له مال عندهم، فتارة يدعي الورثة عدم العلم بالدين للميت على ذمة آخر، وأخرى يعترفون به، فعلى الاول يرجع الدائن إلى المدعى عليه فان اقام البينة على ذلك على ذلك فهو والا حلف المدعى عليه، وعلى الثاني يرجع إلى الورثة وهم يرجعون إلى المدعى عليه ويطالبونه بدين الميت، فان أقاموا البينة على ذلك حكم بها لهم، والا فعلى المدعى عليه الحلف. نعم لو امتنع الورثة من الرجوع اليه فللدائن أن يرجع اليه ويطالبه بالدين على ما عرفت.
