
د. فاضل حسن شريف
تحدث خطيب جمعة مسجد الإمام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري عن موضوع (مفهوم الخوف). وقال الشيخ العامري ذكرت آيات قرآنية عديدة عن الخوف، وكذلك الأحاديث والروايات. قال أمير المؤمنين عليه السلام (رأس الحكمة مخافة الله). ما الفرق بين الخوف والخشية؟ لا يختلف المفهومان كثيرا سوى أن الخشية هي الخوف مع التعظيم “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر 28) لأن العلماء يعرفون مقامات الله سبحانه أكثر من الآخرين. جاء في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام (من ذا يعرف قدرك فلا يخافك). والخوف سببه عدم الوقوع في شيء مكروه.
وقصة هابيل وقابيل ولدي آدم عليه السلام مذكورة في القرآن الكريم وذلك بعدم قتل هابيل لاخيه قابيل خوفا من الله عز وجل “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ” (المائدة 28) خوفه من الوقوع في نار جهنم عند قتل أخيه. وهكذا علي وفاطمة عليهما السلام “إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا” (الانسان 10).
المؤمن يتجنب ارتكاب الذنوب خوفا من الله عند الوقوف في ذلك اليوم المشهود “قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ” (الزمر 13). هنالك من يفر من الموت خوفا منه “قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ” (الجمعة8) عندما تفر من شيء كونك تخافه.
يرد سؤال لماذا تذكرون آيات الخوف عليكم ذكر آيات الرحمة؟ الجواب القرآن الكريم يذكر الحالتين الرحمة والخوف لغرض تذكير الناس من دون المخلوقات الاخرى “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ” (الرعد 6). والذكر ليس خاص لعصر دون آخر “مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ” (فصلت 43).
هنالك موازنة بين الخوف والرحمة كما جاء في حديث (خف الله كأنك تراه) وهو قول لأمير المؤمنين أو الامام الصادق عليهما السلام. جاء في دعاء للامام السجاد عليه السلام (اللهم إني أسألك صبر الشاكرين لك وعمل الخائفين منك). الخوف يؤثر على الناس أكثر من الرحمة فمثلا عندما تذهب الى الطبيب ويقول انك مريض يؤثر بك أكثر مما يقول انك صاح. إن الخوف من الله تعالى تتبعه نتائج أولا عدم فعلك للذنوب خوفا من العقوبة، وثانيا الرجوع الى الله تعالى بسبب الخوف.
ورد إن بشر الحافي كان فى بدء أمره، وقيل إنه كان قمّاراً خمّاراً زمّاًرا وكان لا يتورع عن فعل المنكرات والمحرمات، صغيرها وكبيرها. ويروى أن سبب توبته أنه الإمام الكاظم كان ماراً من أمام بيت بشر، وكانت أصوات اللهو والطرب تملأ المكان فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات، وحين رمت بها فى الطريق سألها الإمام: يا جارية هل صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فأجابته الجارية وهى مستغربة سؤاله هذا بشر رجل معروف بين الناس، وقالت: بل هو حر فقال الإمام: (صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه). ثم انصرف. فعادت الجارية إلى الدار، وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر، فسألها: ما الذي أبطأك؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام، وعندما سمع ما نقلته من قول الكاظم: (صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه). اهتز هزاً عنيفاً أيقظه من غفلته، وأيقظه من نومته، نومة الغفلة عن الله. ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التى توجه إليها الإمام، فأخبرته فانطلق يعدو خلفه، وكان فى الطريق يحدّث نفسه بأن هذا الرجل هو الإمام موسى بن جعفر، وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام، فتاب على يده واعتذر وبكى ثم هوى على يدى الإمام يقبلهما وهو يقول: سيدى، أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله. ولهذا تاب بشر وهجر الذنوب من تلك اللحظة ونأى عنها وأتلف كل وسائل الحرام.
قال الله تعالى “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ” (الرحمن 46) فالخوف من الله عند الابتعاد عن هوى النفس نتيجته جنتان. قال الإمام الصادق عليه السلام (خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، فإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها فقد جعلته في حد أهون الناظرين إليك). والخوف من الله عز وجل درجات، أحيانا تخاف من ذنوب مثل القتل والسرقة ولكن لا تخاف من أمور تعتقدها صغيرة مثل الغيبة وظلم أهلك. الشخص الذي يخاف الله يصحح الخطأ الحاصل في عبادته مثل الوضوء والصلاة والحج والصوم وبالتالي يصبح مؤمنا متفقه في دينه.
النتيجة الثالثة من الخوف أنك تصبح مخلصا لله تعالى لا لغيره من الظلمة كما هو حاصل اليوم فان اتباع أهل البيت يخافون ويهابون الله عز وجل ولا يخافون من الدول الظالمة، بينما نجد الآخرين يخافون الدول ولا يخافون الله رب هذه الدول “وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ” (المنافقون8)، و “الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا” (الأحزاب 39).


