أكتوبر 7, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في سلسلة مقالاته وأبحاثه المعنونة بـ “المنظور الهندسي لآيات القرآن الكريم” رؤية هندسية بيئية تعتمد على الربط بين النصوص القرآنية والتطبيقات العلمية. وفي موضوع الصرف الزراعي (البزل)، يستند في تحليله الهيدرولوجي والهندسي للتربة إلى عدة محاور رئيسية: 1. مفهوم “البزل” والتصريف في المفهوم القرآني الفرق بين الري والصرف: يوضح الدكتور شريف أن الزراعة الناجحة لا تقتصر على إنزال الماء والري (الماء العذب)، بل تتطلب وسيلة لـ تفريغ ورفع الماء الزائد (المبزول) والملوحة الناتجة عنه لمنع “تغرّق التربة” وتملّحها. الدلالة اللغوية والهندسية: يربط بين مصطلحات مثل (التصريف) و(الغيض) (كما في قوله تعالى: “وَغِيضَ الْمَاءُ” (هود 44))، مشيراً إلى أن غيض الماء في الأرض أو سحبه عبر مصارف طبيعية أو صناعية هو الصورة الهندسية لعملية “البزل” (Agricultural Drainage). 2. معالجة ملوحة التربة والتوازن البيئي خلق التربة الصالحة مقابل التربة السبخة: يستشهد بالآية الكريمة: “وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا” (الأعراف 58).التحليل الهندسي: يوضح أن الأرض “الخبيثة” أو النكدة في المفهوم الزراعي هي الأرض الملمّحة أو المشبعة بالمياه (Waterlogged Soil). ولتحويلها إلى أرض “طيبة” منتجة، يبرز دور شبكات الصرف الزراعي (المبازل) التي تسحب الأملاح الضارة والماء الزائد لتنشيط الجذور وتوفير تهوية جيدة للتربة. 3. الانحدار وجريان المياه (الهيدروليكا القرآنية)يركز د. فاضل حسن شريف على التضاريس والانحدار الطبيعي الذي خلقه الله في الأرض لتسهيل حركة المياه من العالي إلى المنخفض: “وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا” (الرعد 3). يشير إلى أن هندسة المبازل (قنوات الصرف) تعتمد كلياً على الجاذبية الارضية وميول التربة، وهو تصميم مستوحى من نظام التصريف الطبيعي للأنهار والوديان التي تصرف مياه الأمطار والفيضانات نحو البحار والمحيطات لمنع الغرق والتلف.4. إدارة الموارد المائية وتجنب الإسرافالتوازن في السقيا: يستدل بآيات التقدير في نزول الماء مثل: “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ” (المؤمنون 18). الربط الهندسي: الإسراف في الري دون وجود شبكات “بزل” كفوءة يؤدي إلى رفع المنسوب المائي (Water Table)، مما يدمر المحاصيل. لذا فإن البزل يمثل صمام الأمان الهندسي للمحافظة على القدر والميزان المائي في الزراعة. الخلاصة تتلخص رؤية د. فاضل حسن شريف في أن القرآن الكريم أشار إلى سنن كونية وهندسية متكاملة للتربة والماء، حيث يمثل الصرف الزراعي (البزل) تطبيقاً أحيائياً وهندسياً لسنّة “التوازن والغيض والتطشير”، لمنع تملّح الأراضي الزراعية وحمايتها من التلف الشديد لضمان استمرار العطاء والنماء.

يركز الدكتور فاضل حسن شريف في أطروحاته وأبحاثه ضمن السلسلة القرآنية والهندسية البيئية على أن الصرف الزراعي (البزل) ليس مجرد إجراء تنفيذي أو حل لمشكلة تملح التربة فحسب، بل هو عصب التنمية البيئية المستدامة والركيزة الأساسية للأمن الغذائي والمائي. وتتجلى علاقة البزل بالتنمية البيئية المستدامة في رؤية د. فاضل حسن شريف عبر المحاور التالية: 1. حماية التربة من التملح والإنهاك (استدامة الأرض) المفهوم الهندس القرآني: يستشهد بالآية الكريمة: “وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا” (الأعراف 58). الربط الاستدامي: يوضح أن تملح الأرض وإشباعها بالماء الزائد (Waterlogging) يحولها من “بلد طيب” منتج إلى أرض “خبيثة/سبخة” لا تنتج إلا نباتاً ضئيلاً. الأثر: يُعتبر البزل الوسيلة الفعالة لغسل الأملاح وتخفيض منسوب المياه الجوفية، مما يحافظ على حيوية التربة وخصوبتها للأجيال القادمة ويمنع التصحر الهيدرولوجي. 2. تحقيق الاستدامة المائية وإعادة التدوير (Circular Economy) المفهوم: الاستدامة البيئية لا تعني التخلص من مياه البزل بل إدارة استخدامها. الربط الهندسي: يرى د. شريف أن مياه المبازل المجمعة ليست “نفايات مائية”، بل هي مورد يمكن معالجته أو توجيهه لاستخدامات مخصصة: خلطها بنسب معينة مع مياه الري العذبة لإعادة استخدامها في زراعة المحاصيل المتحملة للملوحة. تغذية المحميات الطبيعية والبحيرات الاصطناعية التي تدعم الحياة البرية والمائية. 3. الصيانة الهيدرولوجية والتوازن النظامي (الميزان البيئي): المفهوم القرآني: يستند إلى مبدأ التوازن المائي المذكور في قوله تعالى: “وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوُزُونٍ” (الحجر 19). الربط البيئي: الصرف الزراعي الناجح يحافظ على هذا “الميزان” بين حركة الري (المدخلات) وحركة البزل والغيض (المخرجات). غياب شبكات الصرف يخلّ بالدورة الهيدرولوجية المحلية ويؤدي إلى انهيار منظومة النظام البيئي الزراعي (Agricultural Ecosystem Collapse). 4 التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة: صون الأصول الزراعية: حماية الأراضي من التملح عبر نظم البزل تمنع هجرة المزارعين وتدهور الأرياف، مما يحقق استقراراً اجتماعياً واقتصادياً. رفع الكفاءة الإنتاجية: يوضح أن الاستثمار في إنشاء شبكات مبازل مغطاة أو مفتوحة ذات كفاءة عالية يقلل من الحاجة للأسمدة الكيميائية (التي تُستخدم عادة لمعالجة ضعف النمو في الأراضي المالحة)، مما يحمي المياه الجوفية من التلوث الكيميائي. تتلخص رؤية د. فاضل حسن شريف في أن البزل هو “نظام الدفاع البيئي” للأرض الزراعية، إذ يمثل التطبيق الهندسي للسنن الكونية في التوازن والتدوير، وبدونه لا يمكن الاستمرار في إنتاج غذاء آمن أو الحفاظ على رقعة الأراضي الخضراء بوجه التغيرات المناخية والتصحر.

يركز الدكتور فاضل حسن شريف في تحليل الشأن العراقي ضمن كتاباته الهندسية والبيئية على أن مشكلة الصرف الزراعي (البزل) هي القضية الأهم والأخطر التي تواجه الزراعة في العراق، خاصة في السهل الرسوبي (وسط وجنوب العراق). ويرى أن التدهور البيئي الزراعي وتراجع إنتاجية الأراضي التاريخية في بلاد وادي الرافدين ليس ناتجاً عن نقص المياه العذبة فحسب، بل هو نتيجة غياب أو تهالك شبكات الصرف الزراعي الكفوءة. ويتطرق د. فاضل حسن شريف إلى واقع البزل في العراق عبر عدة محاور هندسية وبيئية رئيسية: 1. طبيعة السهل الرسوبي العراقي وتحدي الملوحة: الخصائص الجيومورفولوجية: يوضح د. شريف أن السهل الرسوبي في العراق يتميز بانحدار ضعيف جداً (شبه مستوٍ)، مما يجعل التصريف الطبيعي للمياه الجوفية والمياه الزائدة عن الري بطيئاً للغاية. ارتفاع المنسوب المائي (Water Table): نتيجة الري السطحي التقليدي (السيحي) مع ضعف الصرف، ترتفع المياه الجوفية المحملة بالأملاح لتصل إلى نطاق جذور النباتات. التبخر الشديد: مع ارتفاع درجات الحرارة صيفاً، تتبخر المياه العلوية مخلفة طبقات كثيفة من الأملاح، وهو ما يحول الأراضي الزراعية الخصبة إلى أرض سبخة (تطبيقاً للآية الكريمة: “وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا”. 2. مشروع المصب العام (المبزل الشرقي العام): يتطرق د. فاضل حسن شريف إلى مشروع المصب العام باعتباره العمود الفقري لهندسة الصرف الزراعي في العراق: الأهمية الهندسية: يمثل المصب العام قناة صرف عملاقة تمتد من بغداد شمالاً حتى شط البصرة والخليج العربي جنوباً، وظيفته جمع مياه المبازل الفرعية من ملايين الدونمات بين دجلة والفرات. الهدف البيئي: منع تلوث نهري دجلة والفرات بـ “المياه المالحـة والمبزولة” المحملة بالسماد والمبيدات، وذلك عبر سحب مياه البزل بعيداً عن مجاري المياه العذبة وإلقائها في البحر.

3. المعوقات الهندسية والإدارية للبزل في العراق: يشير د. شريف إلى جملة من المشاكل الهيكلية التي تعيق استدامة منظومات البزل العراقية: الإهمال وقلة الكري والصيانة: انسداد المبازل القائمة (سواء المفتوحة أو المغطاة) بالقصب والحشائش والنباتات المائية، مما يؤدي إلى ارتداد المياه المالحة للأراضي. غياب المبازل المغطاة (Subsurface Drainage): الاعتماد المفرط على المبازل المفتوحة التي تتطلب مساحات واسعة وتفقد كفاءتها سريعاً، بدلاً من التوسع في شبكات البزل المغطى بالأنابيب المثقبة. ظاهرة “التلوث التبادلي”: تجاوز بعض المزارعين بربط مبازلهم الخاصة مباشرة بجدول الري العذب أو بالنهر نتيجة تعطل المبزل الرئيسي، مما يؤدي إلى تلوث واستجراف الملوحة إلى نهري دجلة والفرات جنوباً (خاصة في محافظات ذي قار والفيصلية وميسان والبصرة). 4. الحلول والرؤية الاستدامية للنهوض بالزراعة العراقية: يقدم د. فاضل حسن شريف رؤية استراتيجية للخروج من أزمة البزل في العراق: التحول نحو الري الحديث: تطبيق أنظمة الري بالتنقيط والرش لتقليل الفائض المائي من الأساس، مما يقلل الحمل على شبكات البزل. إعادة تأهيل المصب العام وشبكاته: صيانة محطات الضخ العملاقة والكري الدوري للقنوات الرئيسية والفرعية لضمان استمرارية جريان المياه المالحة. تدوير مياه البزل واستصلاحها: معالجة مياه المبازل واستخدامها في حزام أخضر لمكافحة العواصف الترابية والتصحر، أو وجهها لزراعة المحاصيل الزيتية والعلفية المتحملة للملوحة. التكامل بين الري والصرف: التأكيد على حقيقة هندسية مفادها: “لا مشروع ري ناجح في العراق بدون مشروع بزل موازٍ له بنفس الكفاءة”. تتلخص أطروحة د. فاضل حسن شريف حول العراق في أن إنقاذ التربة العراقية من التملح والضياع يتطلب ثورة هندسية في إدارة الصرف الزراعي، وأن البزل الكفوء هو الشرط الأساسي لإعادة “أرض السواد” إلى سابق عهدها من الخصوبة والاستدامة البيئية.