
صباح البغدادي / تحقيق صحفي استقصائي
(*) السماء لا تتسامح مع الفوضى كما تتسامح معها الأرض ؟ وقطاع الطيران ليس مكانًا للمحسوبية، ولا للصراعات الشخصية والحزبية، ولا لتغليب العلاقات العاطفية الخاصة على الكفاءة والمهنية والمسؤولية. فالراكب عندما يصعد إلى الطائرة يسلّم حياته لمنظومة كاملة يفترض أن تقوم على أعلى درجات الانضباط والاحتراف والمهنية . لذلك لا يجوز أن يتحول المسافرون إلى ضحايا لإدارة مترهلة، أو أمن هش، أو إجراءات فحص متواضعة، أو إخفاقات تشغيلية وخدمية كان يمكن تلافيها. فالأخطاء على الأرض قد تُصحَّح، أما الأخطاء في السماء فقد لا تمنح فرصة ثانية للركاب للنجاة بحياتهم وبالأخص إذا كانت بسبب وجبة طعام (1)
في لحظةٍ يفترض أن تكون فيها السماء أكثر انضباطًا من الأرض، تكشف الوقائع عن انهيارٍ خطير في المنظومة الأمنية والمهنية لشركة يُفترض أنها تحمل اسم “الناقل الوطني / الطائر الأخضر” ولكن بعد نشر تحقيقنا الصحفي الاستقصائي الموسّع حول مفهوم إعادة صياغة بروتوكولات الحماية الجوية وسلوك الطاقم والركاب،بعد حادثة شركة “فلاي دبي” (2) وردت إلينا رسائل عديدة متخمة بالمعلومات المفصلة بالأسماء الصريحة والعناوين والمناصب الوظيفية من قبل موظفي شركة الخطوط الجوية العراقية “الطائر الأخضر” وقد كشفت محتوى هذه الرسائل، عن جرس إنذار يجب التعامل معه بجدية كاملة ومن خلال تفاعلهم العميق مع التحقيق، وعن حجم الأزمة الوظيفية والإدارية والمالية التي يعيشها ” الطائر الأخضر”، إضافة إلى تفشي المحسوبية الحزبية والشخصية، والصراعات الطائفية والمذهبية التي باتت تؤثر بصورة مباشرة على سير العمل داخل الناقل الوطني العراقي، الذي كان يومًا ما من أفضل شركات الطيران في الشرق الأوسط، بل ومن أكثرها التزامًا بمعايير السلامة والأمان والبروتوكولات المهنية الصارمة.
ومن بين الرسائل التي وصلتنا، برزت رسالة ذات أهمية خاصة، تستوجب التوقف عندها وتسليط الضوء عليها أمام الرأي العام ومن هم من أصحاب المسؤولية الوظيفية والأمنية في الشركة. تتعلق هذه الرسالة بملف شديد الحساسية : ضباط الحماية الجوية (الحراس الجويون) وهؤلاء حسب الأعراف وقوانين الطيران يُكلّفون بمهمة حماية الرحلة ومنع أي محاولة اختطاف أو تهديد أمني محتمل. وهؤلاء يصعدون إلى الطائرة بملابس مدنية، ويجلسون بين الركاب دون أن يثيروا الانتباه، وغالبًا لا يعرف طاقم الضيافة هويتهم حفاظًا على سرية المهمة. غير أن ما ورد في احد الرسائل يكشف عن كارثة مهنية حقيقية , وبحسب شهادة أحد أفراد الطاقم، فإن بعض ضباط الأمن العاملين على متن شركات الطيران لا يخضعون لأي معايير مهنية أو أمنية رصينة، بل جرى تعيينهم عبر علاقات شخصية وحزبية وعشائرية، بعيدًا عن أي تقييم احترافي أو فحص نفسي أو طبي أو تدريبات أمنية متخصصة . والأخطر من ذلك أن أحد ضباط الأمن، كما ورد في الرسالة، جلس بجوار “فتاة شابة” خلال إحدى الرحلات، وبدل الالتزام بالسرية والانضباط، بدأ يشرح لها بالتفصيل أنه ضابط أمن، وأن مهمته حماية الطائرة، وراح يوضح لها طبيعة عمله وإجراءاته، في سلوك يُعدّ انتهاكًا صارخًا للسرية الأمنية، ويمثل قمة الاستهتار الوظيفي ؟ إن مثل هذه النماذج، كما تشير الرسالة، يمكن التعرف عليه بسهولة، بل ويمكن استغلاله أو تجنيده من قبل أجهزة استخبارات أجنبية، نظرًا لغياب التدريب، وضعف الانضباط، وانعدام السرية، ووجود ثغرات بنيوية شخصية واضحة لدى بعضهم.
وكذلك من بين الجوانب السلبية وغير المهنية التي كشفتها الرسائل الواردة إلينا ، برزت ظاهرة خطيرة اخرى لا يمكن تجاهلها، تتعلق بسلوك بعض منتسبي أمن الطائرات في الرحلات المدنية. فقد وردت شهادات تؤكد أن بعض أفراد الأمن يتعمدون ويُبرزون أسلحتهم الشخصية من تحت ملابسهم أمام الركاب لغرض التباهي، في مشهد لا يمتّ بصلة إلى أي معيار من معايير الأمن الجوي، بل يعكس انهيارًا كاملًا في الانضباط الوظيفي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تشير احدي الرسائل إلى أن بعض المنتسبين يتخلّون عن مقاعدهم خلال الرحلة، ويتوجهون إلى القسم المخصص لطاقم الضيافة، ويتبادلون أطراف الحديث طوال الرحلة وكأنهم في “مقهى شعبي”، غير مدركين أن وجودهم في هذا الموقع هو جزء من منظومة أمنية حساسة لا تحتمل العبث أو الاستعراض و
الأخطر من ذلك أن أحد أفراد الطاقم ذكر لزميل له في العمل بأن أحد أفراد الأمن قام بعرض مسدسه الشخصي على أحدى المضيفات لغرض إثارة أعجابها به وبعد أن سألته إن كان السلاح حقيقيًا أم مجرد لعبة بلاستيكية، فقام المنتسب الأمني بإعطاء المسدس للمضيفة للتأكد من أنه سلاح حقيقي وليس لعبة بلاستيكية , وهذا السلوك لا يمثل فقط استهتارًا وظيفيًا، بل يشكل تهديدًا مباشرًا الأمن الرحلة، ويكشف غيابًا كاملًا للرقابة، وانعدامًا للوعي الأمني، وافتقارًا لأبسط قواعد التعامل مع الأسلحة داخل بيئة الطيران وإن مثل هذه التصرفات تُعدّ انتهاكًا صارخًا لكل بروتوكولات الأمن الجوي المعتمدة عالميًا، وتدلّ على أن بعض المنتسبين لا يمتلكون الحد الأدنى من التدريب، ولا يدركون حساسية مواقعهم، ولا يعرفون أن الطائرة ليست مكانًا للاستعراض والتباهي أمام الركاب ، بل بيئة عالية الخطورة تتطلب انضباطًا مطلقًا.
إن ما يجري داخل قطاع الطيران العراقي اليوم لا يمكن وصفه إلا بأنه تفكك بنيوي كامل في معايير السلامة، وغياب شبه تام للرقابة، وتراجع مخيف في الانضباط، وسط فوضى حزبية وعشائرية وشخصية جعلت الوظيفة الأمنية تُدار بمنطق العلاقات لا بمنطق الكفاءة والمهنية والاحترافية . لقد أصبح الأمن الجوي — وهو أخطر ملف في صناعة الطيران — رهينة المحسوبية، ومرتَعًا للتعيينات العشوائية، وواجهةً لوجوه لا تمتلك الحد الأدنى من المهنية، ولا تخضع لأي فحص نفسي أو عقلي أو طبي حقيقي، بل يتم تمريرها عبر بوابات الولاء الحزبي والقرابة العائلية والحزبية والعشائرية . وما ورد ألينا في التعقيبات من شهادات حول ضباط الحماية الجوية الذين يعرّفون أنفسهم للركاب، ويتباهون بمهامهم، ويشرحون تفاصيل عملهم لفتاة تجلس بجوارهم، فإنه ليس فقط قد نعتبرها حادثة فردية … بل هي فضيحة أمنية مكتملة الأركان تكشف أن السرية — وهي جوهر عمل الأمن الجوي — قد تحولت إلى نكتة سوداء داخل منظومة يفترض أن تحمي أرواح مئات الركاب يوميًا.
إن قطاع الطيران العراقي اليوم يقف على حافة الخطر، ليس فقط بسبب نقص الطائرات أو ضعف التمويل، بل بسبب انهيار الانضباط الأمني، وافتقار الطواقم إلى التدريب، وغياب الفحص النفسي، وتراجع المهنية إلى مستويات بدائية لا تليق بدولة تمتلك تاريخًا طويلًا في الطيران المدني.
وما ورد من شهادات حول الفحص الطبي “الشكلي”، والفحص النفسي “غير الموجود”، والتقييم العقلي “البدائي”، يكشف أن الشركة لا تطبق أي بروتوكول مهني طبي صارم، ولا تمتلك أي منظومة حقيقية للسلامة، بل تعتمد على إجراءات ورقية لا تحمي أحدًا.
إن المسؤولين عن الخطوط الجوية العراقية — إداريين، أمنيين، حكوميين — يتحملون مسؤولية مباشرة عن هذا الانهيار، لأنهم سمحوا بأن تتحول الوظائف الأمنية إلى حصص حزبية، وأن تُدار الطائرات بمنطق “من يعرف من”، بدلًا من منطق “من يستحق أن يجلس في هذا المقعد”وإن تجاهل هذه الحقائق، أو محاولة التستر عليها، لن يؤدي إلا إلى كارثة، لأن السماء لا ترحم، والخطر لا ينتظر، والطائرة لا تعرف المجاملات. هذا التقرير الصحفي ليس مجرد نقد … إنه تحذير صريح بأن استمرار هذا الوضع يعني أن الحوادث ليست احتمالًا نظريًا، بل نتيجة طبيعية لانهيار منظومة الأمن الجوي. وإن لم تُتخذ إجراءات صارمة، فورية، شفافة، ومحايدة — بعيدًا عن أي تدخل حزبي أو شخصي — فإن الخطوط الجوية العراقية ستبقى بيئة خصبة للخطأ، وللاختراق، وللتهديد، وللحادث الذي لا يمكن إصلاحه بعد وقوعه , لان أرواح الركاب ليست مجالًا للتجربة، ولا مساحة للمجاملة، ولا ساحة للصراع السياسي والطائفي والحزبي والتاريخ لن يرحم من تجاهل هذا التحذير.
وعليه، نؤكد ضرورة أن تكون الدورات التدريبية خاضعة لأقصى درجات الضبط الوظيفي الصارمة، وأن يتم معاقبة جميع المنتسبين الذين يفشلون في أداء مهامهم الأمنية، لأن أي تهاون في هذا الجانب قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن احتواؤها. إن أمن الطائرة ليس مجالًا للتجربة، ولا مساحة للمجاملة، ولا مكانًا للعبث. ووجود منتسب واحد غير منضبط قد يهدد حياة مئات الركاب، ويعرض سمعة الناقل الوطني ” الطائر الأخضر” للخطر، ويكشف هشاشة منظومة الأمن الجوي العراقي أمام جميع أنظار العالم .
وفي ختام الجزء الأول من هذا التحقيق، نؤكد أننا لا نعمم هذه الممارسات على جميع شركات الطيران الأهلية أو الحكومية العاملة في العراق، بل نتعامل معها بوصفها حالات فردية تستوجب الوقوف عندها ومعالجتها وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة.كما أن مسؤولية التصدي لمثل هذه السلوكيات غير المهنية تقع على عاتق الجهات المختصة وأصحاب القرار، من خلال اتخاذ الإجراءات الرقابية والانضباطية الكفيلة بمنع تكرارها، وتعزيز معايير السلامة والانضباط المهني، والحفاظ على سمعة قطاع الطيران العراقي وثقة المسافرين به.
يتبع في الجزء الثاني … لان دهاليز حقيقية خفايا قصة شركات الطيران الأهلية والحكومية ” الطائر الأخضر” لم تُكشف تفاصيلها كاملة بعد من هذا التحقيق، إذ إن المشكلات والتحديات التي يواجهها تبدو أعمق وأوسع نطاقًا مما يُراد لها أن تظهر إلى الرأي العام، بحسب ما توفّر لدينا من معطيات ووثائق وشهادات وكما أن ما ورد إلينا من رسائل وتعقيبات ومعلومات إضافية يفرض علينا، بوصفنا جهة صحفية استقصائية ملتزمة بالمعايير المهنية، مواصلة البحث والتحقق وعرض الحقائق للرأي العام. فهذه المعطيات لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها وكأن شيئًا لم يكن، ما دامت ترتبط بقضايا تمس المصلحة العامة ومستوى الأداء المؤسسي وسلامة الخدمات المقدمة للمواطنين.
(*) إعمالًا لحق التوضيح، وتأكيدًا على أن الغاية هي عرض الحقائق لا التشهير بالأشخاص، توجب علينا أن نورد التنويه الآتي:
” احترامًا للخصوصية والاعتبارات المهنية التي يجب أن يتحلى بها أي تحقيق صحفي استقصائي، قمنا بدورنا , بحجب جميع الأسماء الشخصية الصريحة والمسميات الوظيفية الواردة في هذا التحقيق. ولا يهدف هذا العمل إلى التشهير بالأشخاص، بل إلى تسليط الضوء على ممارسات وسلوكيات غير مهنية قد تؤثر في سلامة وأمن الركاب، وتسيء إلى سمعة الناقل الوطني الجوي سواء شركات أهلية أو حكومية أمام شركات الطيران العالمية والرأي العام. وانسجامًا مع أخلاقيات العمل الصحفي ومعايير الصحافة الاستقصائية، فقد اقتضى التنويه “.
(2) للاطلاع على مزيد من التفاصيل ذات الصلة بهذا الموضوع، يُرجى مراجعة الرابط أدناه:
