أكتوبر 15, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في صوت الأمة العراقية عن صدام والبعث ثلاثون عامًا من تدمير العراق، حتى اعترف المجرم برزان بحجم الكارثة للكاتب رياض سعد: صدام والبعث من الدولة إلى سلطة الفرد والحزب: لم تكن مأساة العراق في عهد صدام محصورة في قرار واحد أو حرب واحدة، بل ارتبطت بمنظومة حكم جعلت بقاء السلطة في مقدمة الأولويات، وضيَّقت المجال أمام المعارضة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة. فقد شهد العراق خلال ذلك العهد قمعًا سياسيًا واسعًا، وإعدامات واعتقالات، وحملات اضطهاد طالت فئات من المجتمع، فضلًا عن عسكرة الحياة العامة، وتغليب الولاء السياسي على الكفاءة والاستقلال المؤسسي، وحين يخشى المواطن التعبير عن رأيه، ويخشى المسؤول مخالفة رأس السلطة، وتفقد المؤسسات قدرتها على تصحيح أخطائها، فإن الدولة تبدأ بفقدان أهم عناصر قوتها: قدرتها على مراجعة قراراتها قبل أن تتحول إلى كوارث. لقد أسهمت الحروب التي خاضها النظام، وفي مقدمتها الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت من عام 1980 إلى عام 1988، ثم حرب الكويت عام 1990 وما ترتب عليه من حرب وعقوبات دولية، في استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية للعراق، ولم تكن النتائج مجرد أرقام في الموازنات أو خسائر في البنية التحتية، بل كانت أعوامًا من الفقدان والمعاناة، وتراجعًا في مستويات المعيشة، وتعطيلًا لمسارات التنمية، وتراكمًا لأزمات امتدت آثارها إلى الأجيال اللاحقة. كما أن القمع الداخلي، وسياسات الإقصاء، والاضطهاد الذي تعرضت له جماعات عراقية، بما في ذلك الجرائم المرتكبة بحق الأكراد في حملات الأنفال والهجوم الكيميائي على حلبجة، وقمع الاغلبية العراقية عام 1991، تركت جروحًا عميقة في المجتمع، وأضعفت الثقة بين الدولة ومواطنيها. وهكذا، لم يكن الخراب نتيجة مؤامرة خارجية وحدها، كما يحلو لبعض المدافعين عن النظام الصدامي الهجين تصوير الأمر، بل كان ثمرة تفاعل بين قرارات السلطة الغاشمة وممارساتها التعسفية من جهة، والصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية والعقوبات والحروب من جهة أخرى، ولا تلغي العوامل الخارجية مسؤولية القيادة عن خياراتها، مثلما لا تعني إدانة النظام تجاهل ما ارتكبته القوى الأخرى من أخطاء وانتهاكات بحق العراق والعراقيين.

يتناول الكاتب والباحث رياض سعد الشأن العراقي من زوايا متعددة تتجاوز نقد الحقبة الماضية لتشمل الواقع السياسي، والاجتماعي، والثقافي الهيكلي للعراق المعاصر. وتتلخص أبرز محاور كتاباته وطروحاته فيما يلي: الهوية الوطنية والأغلبية الاجتماعية: يركز الكاتب على مفهوم “الهوية العراقية الأصيلة” وضرورة إنصاف الأغلبية الاجتماعية التي تعرضت للتهميش التاريخي، داعياً إلى إعادة كتابة التاريخ العراقي بإنصاف بعيداً عن السرديات الموجهة أو الفئوية. نقد الطبقة السياسية وإصلاح مؤسسات الدولة: يوجه نقداً لاذعاً للأداء السياسي بعد عام 2003، محذراً من المحاصصة الطائفية والحزبية، والمحسوبية، والفساد المالي والإداري الذي يعيق بناء دولة المؤسسات والقانون. الأمن القومي ومواجهة الإرهاب: يكتب باستفاضة عن التحديات الأمنية التي واجهت العراق، مشيداً ببطولات القوات المسلحة ومواجهة الجماعات التكفيرية، ومؤكداً على أهمية سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. الصراع الثقافي وتفكيك الخطاب الطائفي: يعمل على تفكيك الخطابات المتطرفة والأفكار الدخيلة التي تحاول بث التفرقة بين أبناء الشعب العراقي، داعياً إلى تعزيز السلم الأهلي والتعايش على أساس المواطنة والتاريخ المشترك. التنمية الاقتصادية والاستقلال الوطني: يشدد في مقالاته على أهمية تنويع مصادر الدخل، وإيقاف الهدر في الموارد، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي بعيداً عن التبعية للخارج أو ارتهان القرار العراقي للتجاذبات الإقليمية والدولية.

جاء في صوت الأمة العراقية عن العراقي الأصيل في قبضة الحرب والاستبداد: قراءة في اضطهاد أهل الجنوب والشيعة في عهد النافق صدام ايام الحرب العراقية الايرانية للكاتب رياض سعد: وقد تعرض العراقيون الشيعة، بصورة خاصة، إلى سياسات قمعية ممنهجة في مراحل مختلفة من حكم حزب البعث، إذ كانت السلطة تنظر إلى قطاعات واسعة منهم بعين الريبة والاتهام السياسي، وتربط بينهم وبين قوى خارجية لمجرد الانتماء المذهبي أو الاجتماعي، هذه النظرة أنتجت خطاباً إقصائياً خطيراً، جعل المواطن يُحاسب أحياناً على هويته لا على أفعاله، ويُعامل كمتهم حتى يثبت ولاءه للنظام. فحتى الجندي الذي يقاتل في صفوف الجيش العراقي لم يكن دائماً بمنأى عن الشكوك الأمنية؛ إذ كان بعض أبناء الجنوب يُنظر إليهم باعتبارهم موضع شبهة، وتُفرض عليهم رقابة أشد، وكأن انتماءهم الاجتماعي أو المذهبي تهمة قائمة بذاتها، وهنا تكمن إحدى أكثر صور الاستبداد قسوة: حين يفقد المواطن شعوره بأنه جزء طبيعي من وطنه، ويصبح مطالباً بإثبات عراقيته باستمرار. ولم تقتصر المعاناة على ساحات القتال، بل امتدت إلى الحياة اليومية، فالمعتقلات والسجون السياسية، وحملات الملاحقة، والخوف من التقارير الحزبية والأمنية، كلها صنعت مجتمعاً يعيش تحت ضغط دائم، كان المواطن يخشى الكلمة، ويحسب حساب العبارة، وقد تتحول إشاعة أو تقرير كيدي إلى سبب لفقدان الحرية أو اختفاء الإنسان من دون أثر. كما خلفت الحرب آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة؛ فجيل كامل عاد من الجبهات مثقلاً بذكريات الموت والفقدان والإصابات، ليجد نفسه في مجتمع أنهكته العقوبات والحصار والدمار الاقتصادي، كثير من الشباب الذين خرجوا إلى الحرب وهم في مقتبل العمر عادوا وهم يحملون أجساداً مثقلة بالجراح وأرواحاً أنهكتها التجارب القاسية. أما العوائل، فقد عاشت هي الأخرى مآسي لا تقل قسوة؛ أم تنتظر ابنها المفقود، وزوجة تنتظر زوجاً لا تعرف هل سيعود أم لا، وأب يبحث بين قوائم الأسرى والقتلى عن اسم ولده، كانت أخبار الجبهات تصل محملة بالخوف، وكانت سيارات نقل الجثامين التي تصل إلى المدن والقرى تحمل معها لحظات رعب جماعي؛ إذ كان كل بيت يخشى أن يكون هو البيت التالي الذي يستقبل خبر الفقد.

كل من يقول زمن صدام والبعث جميل سيكون مسؤول أمام الله تعالى يُبين الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في كتاب “التبيان في تفسير القرآن” عند تفسير الآية الكريمة “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فخذوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِيِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (المائدة 41) تفاصيل عميقة ومباحث جليلة تعكس دقة المنهج التفسيري واللغوي والاعتقادي للشيخ حيث يستهل الشيخ تفسيره ببيان السياق القرآني المتصل ببيان أحوال المنافقين واليهود وموقفهم المعادي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ظهر منهم من مسارعة في الكفر والمكر، موضحاً أن الخطاب في قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ” (المائدة 41) تشريف وتعظيم له عليه الصلاة والسلام وتسلية لقلبه الشريف عما يلقاه من عنادهم، ثم ينتقل إلى تحليل قوله “لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ” (المائدة 41) شارحاً أن النهي يراد به تسلية النبي وإذهاب الهم عن نفسه لأن هؤلاء لا يستحقون الأسى ولا يضرون دين الله شيئاً، ثم يقف الطوسي عند قوله تعالى “مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ” (المائدة 41) مبيناً أنهم المنافقون الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم طمعاً في السلامة والمغانم وبقيت قلوبهم خالية من اليقين ومفعمة بالكفر، ثم يفسر قوله “وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ” (المائدة 41) أي اليهود الذين اعتادوا سماع الباطل وقبوله، “سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ” (المائدة 41) أي يستجيبون لجماعة أخرى من الكفار أو المستكبرين الذين لم يحضروا مجلسك نقلًا للكيد والنميمة، ثم يخوض في توجيه قوله “يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ” (المائدة 41) شارحاً أن التحريف هو التغيير والتبديل لأحكام التوراة ومعانيها عمداً ليتوافق مع أهوائهم ومصالحهم الباطلة، ثم يقف عند قوله “يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا” (المائدة 41) مبيناً ما كانوا يتواصون به من تحاكم فاسد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبتغون فيه الحكم الذي يوافق هواهم فإن أعطاكموه فاقبلوه وإن أعطاكم غيره فاحذروا من قبوله، ثم يفسر قوله “وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا” (المائدة 41) شارحاً أن الإرادة هنا إرادة خذلان وجزاء لاستحقاقهم الضلال باختيارهم، وأن الله من أضلّه فلا هادي له، ثم يختتم بتفسير قوله “أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (المائدة 41) مبدياً أن عدم طهارة القلوب هو عقوبة إلهية على خبث نياتهم، وأن الخزي في الدنيا هو الفضيحة والعقوبة والنصر الإلهي للمؤمنين عليهم، وفي الآخرة عذاب جهنم الخالد، وبذلك يخلص الشيخ الطوسي إلى أن الآية الكريمة تمثل كشفاً فاضحاً لسرائر المنافقين واليهود وتحذيراً بليغاً من التلاعب بأحكام الله وتحريف شرعه.