
آيفون 18..من الهوس الاستهلاكي إلى إعادة إنتاج الهوية بثلاثة ملايين ونصف
✍️ محمد فخري المولى
بغداد تشرين الأول ٢٠٢٦
الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية نعمل به ونتعلم من خلاله ونتابع الأخبار ونلتقط الصور وندير أعمالنا وعلاقاتنا الاجتماعية وكذلك انتاج الهوية الاجتماعية،
مع كل إصدار جديد من الهواتف في كل عام يتجدد المشهد ذاته بذات الشغف طوابير افتراضية حجوزات مسبقة ومقاطع فيديو لفتح العلبة تُعرض كإنجاز وجودي مهم
اليوم الحديث عن آيفون 18 بثلاثة ملايين ونصف دينار عراقي
لم يعد خبراً تقنياً بل حدثاً اجتماعياً بامتياز بنتيجة لم يعد السؤال ماذا يقدم الهاتف بل ماذا يقال عنك إذا حملته.
من الهوس الى الهوية الاجتماعية
منذ هوس الساعات السويسرية في السبعينات إلى هوس السيارات الفارهة في التسعينات إلى هوس الهواتف اليوم الشكل يتغير والبنية واحدة (هوس)
اليوم ترند العصر آيفون 18 بلون جديد بسعر (٣.٥) هذا الرقم ليس سعر جهاز بل هو اختبار زمني لقيمة الإنسان في سوق المظاهر
لانه في كل زمان يبحث المجتمع عن معيار سريع للتمييز الطبقي ومعيار اليوم هو ما تحمله في كفك من هاتف
قديماً كان الزمن بطيئاً فكانت المظاهر تعيش طويلاً ثوب أو ساعة تبقى رمزاً لسنوات
أما في زمن الخوارزميات فالزمن مضغوط الترند يولد ويموت في أسبوع الجهاز الذي تشتريه بثلاثة ملايين ونصف اليوم سيُقال عنه (قديم) بعد ستة أشهر
لذا نحن لا نشتري تكنولوجيا نحن نستأجر شعوراً مؤقتاً بالتفوق وندفع ثمنه من زمننا وادخارنا وقلقنا.
لماذا يلهث الجميع خلف هاتف
الزمن الاجتماعي تغير
العمل لم يعد يضمن المكانة
والشهادة لم تعد تضمن الاحترام في زمن السيولة كما يسميه باومان
ليصبح الاستعراض هو الهوية الأسرع والأرخص تعبيراً
صورة بآيفون 18 تعطيك انتباه فوري
وهو ما لا يعطيك اياه عام كامل من العمل الجاد المتفاني.
لكن… وما أدراك ما لكن
هل آيفون 18 ينشتري زمن وهمي؟
الحقيقة نعم لانه عندما تغييب العقول الراشدة فان مانسير به من منهج شعبوي بادارة اعلامية هو آيفون 18 وقد تكون حادثة العائلة المنكوبة في الهند بسبب شراء آيفون ستبقى حاضرة بقوة بالمشهد الاجتماعي
لان هناك عشرات بل مئات الحوادث المشابهة لكن لم توثق وتسجل،
لذا ما نغفل عنه أننا بهذا نبيع زمننا الحقيقي لنشتري زمناً وشعوراً وهمياً
بساعات عمل او جهد اضافية وديون ىقلق ومقارنة مستمرة
كلها تُدفع مقابل لحظة لايك بزمن التفاهة وضيق الافق
نحن نعيش في زمان يستهلك فيه الإنسان نفسه ليُظهر لمن حوله أنه يعيش برفاهية مصطنعة
لذلك هذا المقال لا عن جهاز. آيفون 18 لانه سيذهب وسيأتي 19 و 20 وسيبقى
السؤال ذاته هل نحن من نملك الأشياء
أم الأشياء هي التي تملك زماننا
هنا ننتقل من منطق الانطباع
الهاتف جميل وكاميرته رائعة ومنطق التوصية أنصحك بشرائه
إلى منطق التحليل لماذا نرغب به أصلاً
الاسباب حاضرة طبعا:
أولاً: الاقتصاد الرمزي للاستهلاك
ثلاثة ملايين ونصف هذا الرقم (٣.٥) دينار ليست مجرد سعر
إنها في بغداد للمثال تعادل راتب موظف لثلاثة أشهر أو قسطاً جامعياً كاملاً، أو مشروعاً صغيراً لعائلة
لكن الجهاز لا يُشترى بقيمته الاستعمالية بل بقيمته الرمزية
إنه سلعة لفبلينية (Veblen Good) بامتياز كما وصفها ثورستين فيبلن قبل قرن السلعة كلما ارتفع سعرها زاد الطلب عليها
لأنها تثبت القدرة على هدر المستهلك الذي لا يشتري معالجاً أسرع بل يشتري شهادة عبور طبقي
حتى لو كان العبور مؤقتاً بالأقساط.
ثانياً: الهوية الرقمية والانفصال الجمعي
لم تعد الهواتف أدوات تواصل بل منصات لإنتاج الذات
الصورة الشخصية، الستوري، جودة الفيديو، كلها أصبحت عملة اجتماعية. في مجتمع يمر بتحولات سريعة وضغوط اقتصادية ليصبح الترند مساحة تعويض أن تمتلك الأحدث يعني أنك ما زلت داخل لعبة الحياة ولم يتم إقصاؤك وهذا يفسر لماذا يتصدر هوس الهواتف كل الفئات العمرية من الفرد الصغير إلى الموظف المتقاعد.
ثالثاً: سيكولوجية الخوف من الفوات (FOMO) والاستعمار الناعم للوعي
تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على هندسة دقيقة للرغبة عبر التقادم المخطط والمقارنات الوهمية
كل إصدار يوحي بأن ما قبله أصبح قديماً وغير كفء، وغير جدير بك الخوارزميات تضخم هذا الشعور
فترى الجميع يتحدث عن الجهاز
فيتولد لديك قلق بأنك متأخر.
هل نستهلك الهاتف ام يستهلكنا الهاتف
حين يصبح امتلاك جهاز هاتف (٣.٥)
هو المعيار للاحترام أو للجمال أو حتى للكفاءة المهنية
فنحن أمام إعادة تشكيل لقيم المجتمع
القيمة لم تعد في ما تنتجه بل في ما تستعرضه والمفارقة أن الجميع في شارعنا اليوم مطأطئ الرأس نحو شاشته متصل بالعالم كله ومنفصل عن من بقربه في نفس اللحظة
لذا هوس الترند ليس حباً للتكنولوجيا
بل قلق عميق من عدم الرؤية.
في الختام
التكنولوجيا بريئة من الترند
المشكلة في البنية الاجتماعية التي جعلت من جهاز استهلاكي وثيقة للهوية
هوس الهواتف ليس ظاهرة تقنية فقط بل مرآة لتحولات اجتماعية أوسع تحولات تتعلق بالمكانة، والاستهلاك والإعلان والمقارنة الاجتماعية
وطريقة تعريف الإنسان لذاته.
آيفون 18 بثلاثة ملايين ونصف دينار
ليس سعر بغض النظر عن اختلاف الأسعار والفئات بل قضية بحد ذاتها
القضية أن نسأل أنفسنا
هل ندفع (٣.٥) مليون مقابل تقنية نحتاجها أم مقابل صورة نريد أن نبدو عليها فبين الحاجة والرغبة مسافة
وبين الرغبة والهوس مسافة أخرى
والتحدي الحقيقي ليس أن نمتلك أحدث هاتف وإنما أن نحافظ على قدرتنا كأفراد ومجتمع على تحديد ما نحتاجه فعلاً لبناء الانسان
وما يمكن أن نعيش من دونه.
تقديري واعتزازي
مسؤول مؤسسة
✍️ #محمد_فخري_المولى
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt
#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi





