
السيادة المسلوبة، والمعالجة الحكومية المفقودة، وصمت مجلس النواب‼️
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
ليست القضية أن شخصاً مطلوباً أوقف أو اختُطف، ولا أن دولة نجحت في ملاحقة متهم بجرائم خطيرة؛ فالمسألة الأخطر هي: هل أصبح لبنان أرضاً مستباحة لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، تُنفَّذ فوقها العمليات العابرة للحدود، فيما تكتفي السلطة بالمشاهدة والصمت؟
إن قضية علي كيالي، المعروف باسم معراج أورال، وما رافقها من روايات متضاربة بشأن توقيفه أو اختطافه من منطقة المنصورية ونقله إلى سوريا، تضع السيادة اللبنانية أمام اختبار بالغ الخطورة. وإذا صحت الرواية التي تتحدث عن تنفيذ عملية أمنية تركية ـ سورية داخل الأراضي اللبنانية من دون علم السلطات المختصة أو موافقتها، فنحن أمام انتهاك خطير لا يجوز التعامل معه كحادث عابر أو تفصيل أمني ثانوي.
أولاً: تهنئة أردوغان… إقرار بعملية مشتركة أم سؤال سيادي لا يحتمل الصمت؟
بحسب التصريحات المنقولة عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإنه لم يكتفِ بالتباهي بالعملية ب
والإشادة بها؛ بل توجّه بالتهنئة إلى من وصفهم بـ”الأبطال المجهولين في المخابرات السورية والتركية”، الذين ألقوا القبض على كيالي، المتهم بالمسؤولية عن مجزرة بانياس السورية وتفجيرات ريحانلي التركية، معتبراً أن وقت الحساب قد حان.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومتان اللبنانية والتركية بوضوح: إذا كانت العملية قد نُفذت بالتنسيق بين جهازي استخبارات أجنبيين، فأين موقع الدولة اللبنانية منها؟ وهل جرى إبلاغ أجهزتها الأمنية مسبقاً؟ وهل وافقت السلطات القضائية والأمنية على أي إجراء يتعلق بتوقيف الرجل أو نقله عبر الحدود؟
إن الإشادة بعمل استخباراتي مشترك لا تثبت وحدها أن العملية جرت داخل لبنان، ولا تحسم كيفية تنفيذها؛ لكنها تجعل توضيح الملابسات أمراً ضرورياً، خصوصاً في ظل التقارير التي تحدثت عن اقتحام منزل في المنصورية.
أما القول إن السلطات السورية أوقفته أثناء محاولته عبور الحدود، فلا يُنهي الجدل تلقائياً. المطلوب أدلة وتفاصيل رسمية تحدد مكان التوقيف، والجهة التي نفذته، والمسار الذي سلكه الرجل، وما إذا كان قد نُقل من لبنان قبل الإعلان عن اعتقاله.
فإذا كان هناك تنسيق مشروع، فلتُكشف تفاصيله. وإذا حصل اختطاف داخل لبنان، فلتُحدَّد المسؤوليات وتُتخذ الإجراءات القانونية. أما إبقاء الوقائع معلّقة، فليس سياسة دولة تحترم سيادتها.
ثانياً: لماذا لم تتحرك وزارة الخارجية؟
إن صمت وزارة الخارجية، إذا استمر من دون توضيح رسمي، يثير تساؤلات جدية حول كيفية تعامل الدولة مع حادثة تمس أمنها الداخلي واختصاص مؤسساتها.
كان ينبغي، في الحد الأدنى، طلب إيضاحات رسمية من أنقرة ودمشق، والتحقق من الوقائع عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية والقضائية، واتخاذ الموقف المناسب وفق ما تثبته التحقيقات.
ولا يعني ذلك أن استدعاء السفيرين هو الإجراء الوحيد أو الحتمي قبل التحقق؛ بل إن واجب الدولة الأول هو كشف الحقيقة، ثم تحديد الإجراء الدبلوماسي والقانوني الذي تقتضيه.
لكن ما لا يجوز قبوله هو أن تُترك قضية بهذا الحجم لتضارب الروايات والتسريبات، وكأن انتهاك السيادة شأن يمكن تجاوزه بمرور الوقت.
والأخطر أن يُفهم غياب الموقف الرسمي على أنه عجز عن فرض احترام المؤسسات اللبنانية، أو أن الأراضي اللبنانية باتت متاحة لعمليات أمنية تقررها عواصم أخرى.
ثالثاً: ليست الحادثة الأولى… فأين هيبة الدولة؟
لا يمكن فصل هذه القضية عن التقارير التي تحدثت عن حوادث خطف أو نقل أشخاص من لبنان في ظروف ملتبسة، ومن بينها قضايا أُثيرت بشأن القبطان البحري عماد أمهز والضابط المتقاعد من الأمن العام النقيب السيد أحمد على شكر شكر.
إن تعدد هذه الملفات، بصرف النظر عن اختلاف ظروفها وملابساتها، يفرض سؤالاً واحداً: هل تملك الدولة اللبنانية صورة واضحة عما يجري على أراضيها، وهل تستطيع محاسبة كل من ينفذ عمليات خارج الأطر القانونية؟
لا سيادة انتقائية، ولا يجوز أن تتغير معايير حماية الأراضي اللبنانية بحسب هوية الجهة المنفذة أو خلفية الشخص المستهدف.
فإذا كان المطلوب متهماً بجرائم خطيرة، فإن الطريق السليم هو التعاون القضائي والأمني، وتبادل المعلومات، وتقديم طلبات التوقيف والتسليم وفق القوانين والاتفاقيات النافذة. أما تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ العمليات السرية، فهو أمر مختلف تماماً، ولا تبرره خطورة الاتهامات الموجهة إلى أي شخص.
إن مكافحة الجريمة لا تمنح أي دولة تفويضاً مفتوحاً لتجاوز سيادة دولة أخرى.
رابعاً: إسرائيل تنتهك السيادة… والدولة عاجزة عن فرض المعادلة
تتضاعف خطورة المشهد اللبناني عندما نقارن الغياب الحكومي عن قضية أمنية داخلية بما تشهده البلاد من انتهاكات إسرائيلية متواصلة.
فبحسب الإفادات الأممية التي أُشير إليها بشأن تشرين الأول/أكتوبر 2026، تواصل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» رصد الغارات الجوية والقصف المدفعي، والإبلاغ عن الانتهاكات المرتبطة بتنفيذ القرار 1701.
كما نُقل عن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، التعبير عن القلق إزاء عرقلة قافلة لوجستية لليونيفيل قرب البياضة في 16 تشرين الأول/أكتوبر، بما حال دون وصول الإمدادات وأدى إلى إلغاء دوريات.
إن هذه التفاصيل وتوصيف كل واقعة يستندا إلى الإفادات الأممية الرسمية، لكن المبدأ واضح: لا يجوز أن تتحول الانتهاكات إلى أمر اعتيادي، ولا أن يُترك توثيقها بديلاً عن تحرك الدولة اللبنانية لحماية سيادتها ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
إن القرار 1701 ليس نصاً انتقائياً يُستحضر عندما يتعلق الأمر بطرف لبناني، ثم يُغض الطرف عن الالتزامات والانتهاكات الإسرائيلية.
كما أن احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه مبدأ أساسي في ميثاق الأمم المتحدة، ولا يسقط بسبب توازنات القوة أو الحسابات السياسية أو “إتفاق الإطار” .
فأي مصداقية تبقى لخطاب السيادة، إذا كانت الدولة لا تواجه الانتهاكات الخارجية بموقف سياسي ودبلوماسي وقانوني واضح؟
خامساً: مجلس النواب… أين الرقابة والمساءلة؟
إن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها. فمجلس النواب، بوصفه المؤسسة الدستورية التي تمارس الرقابة السياسية على السلطة التنفيذية، مطالب بالخروج من دائرة الصمت إلى ممارسة دوره.
أين طلبات الإيضاح والمساءلة بشأن حقيقة ما جرى في المنصورية؟ وأين مطالبة الحكومة بتقديم تقرير واضح عن الإجراءات المتخذة لحماية الحدود والأراضي اللبنانية؟ وأين النقاش النيابي بشأن تكرار حوادث الخطف المزعومة، وآليات التعاون الأمني مع الدول الأخرى، وضمان عدم تجاوز القضاء اللبناني؟
إن السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، ولا ورقة تفاوضية تُستخدم وفق مقتضيات اللحظة. إنها مسؤولية دستورية ومؤسساتية تستوجب الرقابة والمحاسبة، وتفرض على النواب مساءلة الحكومة عن كل تقصير يثبت وقوعه، حتى لو أدى ذلك إلى طرح الثقة وإقالتها.
ولا يجوز أن يصبح غياب المساءلة غطاءً سياسياً لغياب المعالجة، أو أن يُترك الرأي العام أسيراً لتسريبات متعارضة لا يجد من مؤسساته الرسمية إجابات شافية عنها.
سادساً: المطلوب تحرك فوري لا بيانات تبريرية
إن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق بالشعارات، بل بخطوات واضحة ومحددة:
1. فتح تحقيق قضائي وأمني عاجل لتحديد ظروف اختفاء علي كيالي، ومكان توقيفه الفعلي، والجهات التي شاركت في العملية، والتحقق من روايات اقتحام المنزل ونقله إلى سوريا.
2. طلب إيضاحات رسمية من تركيا وسوريا بشأن طبيعة العملية ومكان تنفيذها، والتحقق من حصول أي تنسيق مسبق مع السلطات اللبنانية.
3. اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية المناسبة لتنفيذ عملية على الأراضي اللبنانية خارج الأطر القانونية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
4. إطلاع مجلس النواب والرأي العام على نتائج التحقيق ضمن الحدود التي تحمي سرية الإجراءات القضائية وحقوق المعنيين.
5. وضع آلية واضحة للتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية، تشمل التوثيق الرسمي، والتحرك الدبلوماسي والقانوني، ومتابعة تنفيذ القرارات الدولية، وعدم الاكتفاء بإدانة لفظية لا توقف الانتهاكات.
وفي المحصلة: هل لبنان دولة أم ساحة مفتوحة؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في حادثة واحدة، بل في احتمال تحوّلها إلى نموذج متكرر: عمليات خارج الأطر القانونية، وروايات متضاربة، وغياب للمحاسبة، ومؤسسات تكتفي بانتظار ما ستكشفه وسائل الإعلام.
إنّ عملية خطف نُفذت داخل لبنان من دون موافقة السلطات المختصة، فالمسألة ليست مجرد إخفاق أمني؛ إنها مساس مباشر بسيادة الدولة وحقها الحصري في إنفاذ قوانينها على أراضيها.
أما مجلس النواب، فلا يجوز له أن يكتفي بدور المتفرج، فيما تتراكم الأسئلة حول أمن المواطنين، وحدود التعاون الاستخباراتي، وقدرة الدولة على حماية أراضيها.
السيادة لا تتجزأ: لا للاختطاف خارج القانون، لا للعمليات الأجنبية غير المشروعة، لا للاعتداءات الإسرائيلية، ولا لسلطة تصمت حين تكون مطالبة بالفعل.
لبنان يحتاج إلى دولة تُحقق وتُحاسب وتدافع عن أرضها، لا إلى مؤسسات تنتظر أن يخبرها الآخرون بما جرى فوق ترابها.
فإما أن تكون السيادة قاعدة تحكم الجميع، وإما أن يبقى اللبنانيون أسرى دولة تُرفع بإسمها الشعارات، فيما تُنتزع منها القدرة على فرض القانون.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
22 تشرين الأول /أكتوبر 2026


