
لقب برتبة حاج !
بقلم / مهند سري
ليست الألقاب مشكلة في ذاتها، ولا الانتساب العشائري موضع اعتراض، إنما تبدأ الإشكالية حين يتجاوز اللقب وظيفته التعريفية، ليتحول إلى وسيلة تمنح صاحبها حصانة اجتماعية، أو تزكية مسبقة، أو طريقاً مختصراً إلى النفوذ والامتياز. عندها لا يعود اللقب مجرد اسم يضاف إلى صاحبه، بل يصبح سلطة موازية، تفرض حضورها قبل أن يتكلم الإنسان، وتستبق الحكم عليه قبل أن يعرف ما يملك من فكر أو كفاءة.
هذا ما استوقفني في حديث الباحثة والأكاديمية جيهان المستشار، التي تابعت نتاجها البحثي ومقالاتها وبعض محاولاتها الشعرية، فوجدت في ما تكتب عمقاً في الطرح، وحرصاً على الوعي المجتمعي، وانحيازاً واضحاً إلى الفكرة الوطنية.
وما يلفت في تجربتها ليس مضمون الكتابة وحده، بل علاقتها بما تثيره من نقاش، فهي لا تكتفي بطرح رأيها، وإنما تتابع التعليقات، وتحاور أصحابها، وتناقش ما يرد فيها، وكأنها ترى أن الفكرة لا تكتمل بمجرد نشرها، بل بقدرتها على الوصول إلى الآخرين وإثارة التفكير لديهم. ولعل ما لا أخفيه أنني أراجع تعليقاتي أكثر من مرة قبل نشرها على موضوعاتها، إدراكاً مني أن محاورة الفكرة تستدعي قدراً من الدقة يتناسب مع جدية صاحبها.
في لقاء متلفز، ضمن برنامج “بصمة عين”، تناولت جيهان موضوعات متعددة، كان اللقب من بينها، وهو موضوع يستحق التوقف عنده، لا لأنه جديد على المجتمع العراقي، بل لأن دلالاته تبدلت مع تبدل الأزمنة، حتى بات اللقب في بعض الحالات يقول عن صاحبه أكثر مما يقوله اسمه، وربما يمنحه ما لا تمنحه له صفاته الشخصية أو منجزاته الفعلية.
ففي كل مرحلة من تاريخنا الاجتماعي، كانت هناك ألقاب تعكس طبيعة السلطة وموازين المكانة السائدة آنذاك، من “الباشا” و”البيه” و”السركال”، وصولاً إلى “الحجي” و”العلوية” وغيرها. لم تكن هذه الألقاب متطابقة في دلالاتها، بل ارتبط كل منها بسياقه التاريخي والاجتماعي، وبما يحمله من رمزية أو مكانة أو نفوذ.
غير أن المشكلة لا تكمن في نشأة اللقب ولا في استعماله الاجتماعي، وإنما في التحولات التي تطرأ على معناه، حين ينتقل من وصف له دلالته الخاصة إلى إشارة يفهم منها أن صاحبه يتمتع بحماية أو امتياز، أو أنه خارج دائرة المساءلة التي يخضع لها الآخرون.
ولعل لقب “الحجي” يقدم مثالا دالا على هذا التحول، فبعد أن كان يشير أساساً إلى من أدى مناسك الحج، أصبح في بعض الأوساط العراقية يستحضر بوصفه علامة على النفوذ أو الوجاهة أو القدرة على التأثير. وهنا تتجاوز المسألة حدود اللغة، لتلامس بنية اجتماعية تسمح أحياناً بأن يحل الاعتبار المسبق محل التقويم الموضوعي، وأن يصبح اللقب نوعاً من التزكية التي لم يستحقها صاحبها بالضرورة من خلال عمله أو سلوكه.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس وجود الألقاب، بل ما قد يتشكل حولها من شعور بالتفوق أو الحصانة، ولا سيما حين تتداخل مع النفوذ العشائري أو السياسي أو الاجتماعي.
فحين يصبح الاقتراب من بعض الألقاب محفوفاً بالحذر، وينظر إلى مناقشتها بوصفها تجاوزاً لخط أحمر، نكون أمام مشكلة تتعلق بحدود النقد، وبمدى قدرة المجتمع على إخضاع المكانة الاجتماعية لمعايير المسؤولية والمساءلة.
وليس من الإنصاف، في المقابل، أن يعمم هذا الحكم على العشائر أو على المنتمين إليها، فالعشيرة بوصفها رابطة اجتماعية لها تاريخها ووظيفتها، شيء، وتحويل الانتماء إليها إلى وسيلة لفرض الامتياز أو تعطيل القانون شيء آخر تماماً.
ومن هنا، فإن مناقشة الألقاب لا ينبغي أن تفهم بكونها استهدافاً للأشخاص أو انتقاصاً من انتماءاتهم، وإنما بوصفها مساءلة للمعاني التي أُلحقت بها، وللأدوار التي باتت تؤديها في المجال العام.
فليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن جذوره، بل أن يتحرر من الحاجة إلى استدعائها دليلاً على قيمته، أو وسيلة لتقديم نفسه للآخرين قبل أن يقدم ما لديه من معرفة وعمل.
أما تمسك بعض المثقفين بألقابهم، وخصوصاً ممن تشكل وعيهم في مراحل تاريخية مختلفة، فيمكن فهمه في ضوء السياقات التي نشأوا فيها، وما كانت تمنحه الألقاب من دلالات اجتماعية أو مهنية.
لكن فهم هذه الخلفية لا يعني التسليم باستمرارها، ولا يمنع من إعادة النظر في مدى ملاءمتها لمجتمع يتطلع إلى ترسيخ معايير الكفاءة والاستحقاق.
فالمشكلة لا تتعلق باللقب حين يرد في سياقه الطبيعي، وإنما حين يتقدم على صاحبه، ويصبح بوابة التعريف به، أو وسيلة لاستمالة الآخرين والتأثير في أحكامهم.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً، إذ نرى من يحرص على تقديم لقبه أو انتسابه قبل أن يطرح فكرة أو يناقش قضية، وكأن الاسم المجرد لا يكفي للتعريف به، أو كأن الفكرة تحتاج إلى سند اجتماعي يمنحها وزناً إضافياً. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نريد أن يصغي الناس إلينا لأننا نحمل لقباً معيناً، أم لأن ما نقوله يستحق الإصغاء؟
إن المجتمع الذي يضع الألقاب في مقدمة التعريف بأفراده قد يجد نفسه، من حيث لا يشعر، يعيد إنتاج التفاوت في المكانة على حساب التفاوت في الكفاءة.
فاللقب لا يصنع معرفة، والنسب لا ينتج إبداعاً، والانتماء، مهما كانت مكانته في الوجدان، لا يغني عن العمل ولا يمنح صاحبه حقاً استثنائياً في التقدير.
وقد يكون الإنسان وجيهاً في عشيرته، لكنه لا يصبح بذلك بالضرورة صاحب رأي راجح في كل شأن، مثلما قد يكون كاتب أو باحث مغمور الاسم، لكنه يقدم من الأفكار ما يستحق أن يقرأ ويناقش ويحتفى به.
وما يستحق التوقف عنده في موقف جيهان المستشار أنها لا تطرح المسألة من موقع الإنكار للهوية أو التنصل من الانتماء، وإنما من موقع الرغبة في إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وما ينتسب إليه.
فهي، بحسب ما ورد في حديثها، لا تريد أن يكون اسم العشيرة مدخلاً إلى التعرف عليها، ولا أن يسبق اسمها أو يلحق به بوصفه عنصراً موجهاً للحكم عليها.
إنها تريد أن تضيف إلى عشيرتها من خلال ما تقدمه، لا أن تستمد قيمتها منها، وأن يقرأ الناس فكرها قبل أن ينشغلوا بأصلها، وأن تتحدد صورتها بما تكتب وتنتج، لا بما تحمله من علامات الانتماء.
وحتى تحاشيها ذكر محافظتها، البصرة، يمكن قراءته في هذا السياق بوصفه تعبيراً عن رغبة في تجاوز التعريف المحلي الضيق إلى فضاء وطني أوسع، أن تكون الكتابة موجهة إلى العراقيين جميعاً، وأن تكون الفكرة أقدر على الوصول من حدود الجغرافيا والانتماءات الفرعية.
وليس في ذلك انتقاص من البصرة أو من خصوصيتها، بل تأكيد أن الانتماء المحلي لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يحاصر صاحب الفكر داخل دائرة محدودة.
إن جوهر القضية، في تقديري، هو أن ننتقل من مجتمع يسأل: من أنت؟ وإلى أي عشيرة تنتسب؟ وما اللقب الذي تحمله؟ إلى مجتمع يسأل: ماذا قدمت؟ وما الذي تضيفه إلى المعرفة والحياة العامة؟ فحين تتقدم الألقاب على المنجزات، يصبح الإنسان أسير صورته الاجتماعية، وحين يتقدم المنجز على اللقب، يستعيد الإنسان حريته في أن يعرف بما يصنعه، لا بما ورثه.
لسنا مطالبين بمحو الألقاب، ولا بإنكار الأنساب، ولا بقطع الصلة بالجذور، إنما نحن بحاجة إلى وضع كل شيء في موضعه الصحيح، فالانتماء حق اجتماعي، لكنه ليس شهادة تفوق، واللقب وسيلة تعريف، لكنه ليس صك حصانة، والمكانة الحقيقية لا تمنح لمجرد الانتساب، بل تبنى بما يقدمه الإنسان من معرفة وموقف وعمل.
فالعشيرة التي يضيف إليها أبناؤها علماً وموقفاً نبيلاً تزداد قيمة، أما العشيرة التي يراد لها أن تكون بديلاً عن الكفاءة، أو ستاراً يحجب المساءلة، فإنها تحمل ما ليس من جوهر الانتماء في شيء.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يحمل الإنسان لقباً، بل في أن يحتاج إليه كي يكون له وزن، وليست المشكلة في أن يعتز بجذوره، بل في أن يجعلها معياراً للحكم على الآخرين أو بديلاً عن إثبات ذاته. فالإنسان الحقيقي لا يرفع لقبه ليعلو به على الناس، وإنما يرفع من قيمة اسمه بما يقدمه لهم.



