
صباح البغدادي
في البداية نستنكر وبشدة حالة الرفض الذي ابداها بعض من أعضاء الوفد التابعين إلى الفصائل الولائية بمحاولة حثيثة لثني رئيس الوزراء على التوقيع مع نظيره السوري السيد احمد الشرع بالتوقيع على اتفاقية توأمة العاصمتين بغداد ودمشق بحجة إنها من صلاحية رئيس مجلس المحافظة وأعضاؤه وحتى لو كانت من صلاحيتهم وهذا لم يكون على الأقل كان التوقيع بالأحرف الأولي لغرض التمهيد لهذه التامة بين عاصمة الخلافة العباسية ودمشق حاضرة الخلافة الأموية
ذات يوم، لم يكن اسم السيد المبجل فخامة الرئيس “أحمد الشرع” يُتداول في الكثير من الأوساط السياسية العراقية إلا مقروناً بأشد أوصاف التخوين والوعيد والإرهاب وتسميته بالجولاني ، بل وذهب البعض بانهم يجب القاء القبض عليه لإنه انهي حكم نظام بشار الجحش وكانت دمشق تُصوَّر وكأن مصير الكون كله يتوقف على بقاء النظام فيها دقيقة إضافية. يومها كانت المنابر تضج بالخطب الحماسية، وتكاد تسمع من بعضها أن طريق القدس يمر عبر الدفاع عن القصر الجمهوري في دمشق، وأن سقوط النظام السوري سيؤدي إلى نهاية التاريخ نفسه.
قبل أشهر وأسابيع وحتى اخر الأيام من سقوط نظام الطاغية المجرم بشار الأسد، كانت بغداد تضج بخطابات التعبئة والتحريض، وكانت بعض القيادات الحزبية والفصائل المسلحة تتحدث وكأن معركة دمشق هي معركتها الوجودية الأخيرة. يومها قُدِّمت الحرب على أنها معركة عقيدة وهوية، وارتفعت الأصوات الداعية إلى النصرة وحمل السلاح والقتال إلى جانب نظام الجحش ضد المعارضة التي كان قطاع واسع من السوريين يراها طريقاً للخلاص من عقود الاستبداد.
ولم تتوقف المزايدات العلنية الرخيصة والمبتذلة عند حدود البيانات والتصريحات، بل وصلت إلى حد إعلان شخصيات سياسية بارزة استعدادها للذهاب بنفسها إلى ساحات القتال دفاعاً عن النظام الذي كان يترنح تحت ضربات الأحداث. كانت لغة التخوين جاهزة لكل من يطرح رأياً مغايراً، وكانت دمشق تُقدَّم للرأي العام بوصفها خط الدفاع الأخير عن المنطقة بأسرها.
لكن السياسة، كعادتها، لا تعترف بالعواطف ولا بالشعارات التي تُستهلك على المنابر والشاشات. فبعد أن تبدلت الموازين وتغيرت السلطة في دمشق، انقلب المشهد رأساً على عقب. وإذا بالذين أمضوا سنوات في رسم صورة سوداء للمعارضة السورية يجدون أنفسهم أمام واقع جديد يفرض الحوار والتفاهم والتعامل مع السلطة الجديدة التي يقودها أحمد الشرع.
المفارقة الأكثر إثارة أن من كان يُصوَّر بالأمس عدواً وخطراً وجودياً أصبح اليوم شريكاً محتملاً في ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة. والجهة التي كانت تتعرض لأقسى حملات التشويه باتت اليوم محطة للوفود الرسمية والحوارات الاستراتيجية والوعود الاقتصادية.
هنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه كثيرون: إذا كانت كل تلك التعبئة السابقة صحيحة، فلماذا هذا الانفتاح اليوم؟ وإذا كان الانفتاح اليوم هو الخيار الواقعي والصحيح، فماذا كانت قيمة سنوات الشحن الطائفي والتخندق السياسي التي دفعت المنطقة أثمانها الباهظة؟
وتأتي زيارة الوفد العراقي إلى دمشق في لحظة تكشف حجم التناقض بين شعارات الأمس وضرورات اليوم. فالعراق الذي يبحث عن منافذ اقتصادية جديدة، وعن تعاون أمني يحمي حدوده، وعن شراكات إقليمية تحقق مصالحه الوطنية، يجد نفسه مضطراً للعودة إلى دمشق من البوابة التي أغلقها بنفسه تحت ضغط الاستقطابات والمحاور الإقليمية.
ولعل الأكثر دلالة أن الجدل الذي أُثير حول زيارة الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب والتبرعات المعلنة لهما، كشف مجدداً أن بعض القوى لا تزال تنظر إلى العلاقات الخارجية بمنظار الولاء والخصومة لا بمنظار المصلحة الوطنية. فبمجرد حدوث الزيارة انطلقت حملات التخوين والتشكيك، وكأن بناء جسور التواصل مع المحيط العربي أصبح تهمة تستوجب المحاكمة السياسية والإعلامية.
لكن السياسة، ذلك الكائن الذي لا يعرف الوفاء للشعارات، قررت فجأة أن تفتح كتاباً جديداً.
سقط النظام واختفت مع السقوط عشرات الخطب النارية، وكأنها رسائل مؤقتة حُذفت تلقائياً بعد انتهاء مدة صلاحيتها. فإذا بالشخصيات نفسها التي كانت تتحدث عن معركة مصيرية لا تقبل التنازل، تتحدث اليوم عن التعاون المشترك والتنسيق الأمني والتبادل التجاري وفتح آفاق الاستثمار.
الأكثر إثارة أن دمشق التي كانت توصف بالأمس بأنها ساحة مواجهة أيديولوجية، أصبحت اليوم بوابة اقتصادية واعدة. والرجل الذي كان يُقدَّم باعتباره خطراً استراتيجياً، أصبح رئيس دولة تُرسل إليها الوفود الرسمية وتناقش معها مشاريع الطاقة والنقل والتجارة.
وهنا يحق للمواطن أن يتساءل:
هل تغيرت الجغرافيا؟
هل انتقل نهر الفرات إلى قارة أخرى؟
هل تبدلت خرائط الشرق الأوسط أثناء نومنا؟
أم أن المشكلة لم تكن يوماً في دمشق ولا في حكام دمشق، بل في الخطابات التي كانت تُباع للجمهور بالجملة ثم تُسحب من التداول عند أول اختبار للواقع؟
فالعراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، اكتشف مجدداً حقيقة كان يفترض ألا ينساها أصلاً: أن الدول تُدار بالمصالح لا بالقصائد الحماسية، وأن خطوط التجارة أكثر نفعاً من خطوط التخوين، وأن منفذاً اقتصادياً واحداً قد يكون أكثر فائدة من ألف بيان سياسي.
ولذلك تأتي زيارة الوفد العراقي إلى سوريا باعتبارها اعترافاً متأخراً بأن الجوار الجغرافي ليس مؤامرة، وأن التعاون الاقتصادي ليس خيانة، وأن المصالح الوطنية لا تُقاس بمستوى رضا المعلّقين على مواقع التواصل الاجتماعي.
أما الطريف في المشهد، فهو أن بعض الذين أمضوا سنوات في توزيع شهادات الوطنية والتخوين على الآخرين، وجدوا أنفسهم أمام معضلة حقيقية: كيف يهاجمون زيارة رسمية يحتاجها العراق اقتصادياً وأمنياً، من دون أن يصطدموا بالحقائق التي فرضها الواقع؟
ولهذا تحولت بوصلة الجدل سريعاً من الملفات الاستراتيجية الكبرى إلى زيارات الجوامع والمراقد والتبرعات والرموز الدينية، وكأن مشكلة العراق الأساسية لم تعد الأمن ولا الاقتصاد ولا البطالة ولا الخدمات، بل عدد الصور التذكارية التي التُقطت في دمشق.
وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إحراجاً:
إذا كانت المصافحة مع دمشق اليوم ضرورة وطنية، فلماذا كانت تُصوَّر بالأمس كخيانة؟
وإذا كان التعاون مع أحمد الشرع اليوم يخدم المصالح العراقية، فمن الذي يتحمل مسؤولية سنوات التحريض والتخندق التي قيل للعراقيين خلالها إن الحوار معه مستحيل؟
ربما لأن الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها هي أن الدول لا تعيش على الشعارات، وأن المصلحة الوطنية لا تعرف الطائفة ولا المحور ولا الأيديولوجيا، وأن ما كان محرماً بالأمس قد يصبح واجباً وطنياً اليوم بمجرد أن تتغير حسابات السياسة.
وحينها لا يبقى أمام المواطن سوى أن يراقب هذا التحول المدهش ويتساءل بسخرية مريرة:
هل تغيّرت دمشق فعلاً… أم أن الخطاب السياسي هو الذي غيّر ثوبه مرة أخرى؟
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا يصبح البحث عن عمق عربي اقتصادي وسياسي جريمة في نظر البعض، بينما يُنظر إلى الارتهان لمحاور خارجية غير عربية على أنه فضيلة وثبات على المبدأ؟
إن ما يجري اليوم لا يكشف تحولاً في دمشق بقدر ما يكشف تحولاً في الخطاب الذي حكم المشهد العراقي طوال سنوات. خطاب رفع شعارات كبرى، لكنه وجد نفسه في النهاية خاضعاً لحقيقة بسيطة لا يمكن الهروب منها: الدول تعيش بالمصالح لا بالشعارات، والتاريخ لا يتذكر من رفع أكثر الأصوات صخباً، بل من امتلك الشجاعة للاعتراف بأن حسابات الواقع أقوى من أوهام المنابر.
وهكذا تدور عجلة السياسة العراقية دورةً أخرى، لتثبت أن بعض الساسة لا يعانون من نقص في المواقف بقدر ما يتمتعون بمرونة استثنائية في تبديلها. فالرجل الذي كان يُقدَّم بالأمس باعتباره خطراً لا يجوز الاقتراب منه، أصبح اليوم شريكاً لا غنى عن الحوار معه. والمدينة التي قيل إن الدفاع عنها واجب عقائدي مقدس، أصبحت منصة للتعاون الاقتصادي والاستثمار وتبادل المصالح.
أما المواطن العراقي، فلم يبقَ له سوى أن يتابع هذا العرض الطويل من المقاعد الخلفية، وهو يشاهد الأبطال أنفسهم يغيرون أزياءهم وأدوارهم وخطاباتهم بين فصل وآخر، بينما يصرّون في كل مرة على إقناعه بأن الرواية الجديدة هي الحقيقة المطلقة، وأن ما قيل بالأمس لم يُقَل أصلاً.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن الذين كانوا يطالبون الشباب بالاستعداد للقتال دفاعاً عن دمشق، باتوا اليوم يختلفون على حصص التعاون معها. والذين رسموا معارك وجودية على الشاشات والمنابر، اكتشفوا فجأة أن الجغرافيا أقوى من الشعارات، وأن أنابيب النفط والمنافذ الحدودية أكثر أهمية من القصائد الحماسية والخطب التعبوية.
وبعد كل هذا التحول العجيب، يحق للعراقي أن يسأل: كم موقفاً آخر سيتغير قبل أن يعترف أصحاب الخطابات الصاخبة بأن المصالح التي يكتشفونها اليوم كان يمكن اكتشافها منذ سنوات من دون كل ذلك الضجيج، ومن دون كل ذلك الاحتقان، ومن دون تحميل الشعوب فاتورة المغامرات والمحاور والصراعات؟
لقد سقطت حكومات، وتبدلت أنظمة، وتغيرت خرائط النفوذ والتحالفات، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: أن المواطن ظل الحلقة الأضعف، يدفع ثمن المواقف عندما تُرفع، ويدفع ثمنها مرة أخرى عندما يتم التراجع عنها.
أما دمشق، فلم تتغير كثيراً بقدر ما تغيّرت نظارات الناظرين إليها. وما بين شعارات الأمس ومصالح اليوم، يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس الجميع: هل كانت المواقف تُبنى على قناعة وطنية حقيقية، أم أن الوطنية نفسها أصبحت موسماً سياسياً يتغير بتغير اتجاه الريح؟
ففي هذا الشرق المزدحم بالشعارات، يبدو أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن ما كان يُوصف بالخيانة بالأمس قد يصبح حكمةً وواقعيةً وضرورةً وطنيةً صباح اليوم التالي، شرط أن يصدر عن الأشخاص أنفسهم.

