أكتوبر 28, 2026
LOGO

منظمة عراقيون ضد الفساد

بغداد / المنطقة الخضراء / المكاتب العامة لأمانة رئاسة الوزراء 

في مستهل الحديث، لا بد من التوقف أمام حالة الارتباك السياسي التي رافقت زيارة السيد رئيس الوزراء العراقي “علي الزيدي” ألى حاضرة الخلافة الأموية دمشق، وتحديداً الاعتراض الذي أبداه بعض أعضاء الوفد المحسوبين على الفصائل الولائية حيال أي توجه للتوقيع على اتفاقية توأمة العاصمتين بين بغداد ودمشق. وكأن المشكلة المزمنة التي يعاني منها العراق لم تعد الفساد ولا البطالة ولا تراجع الخدمات، بل تحولت فجأة إلى هاجس اسمه “توأمة العاصمتين”.

وحسب ما خصها بنها احد السادة النواب الأفاضل قبل قليل من حديثه ومعلوماته الموثقة :” فقد انبرى المعترضون للتمسك بحجة إجرائية مفادها أن مثل هذه الاتفاقيات تدخل ضمن صلاحيات مجلس المحافظة، وأعضائه، وليس من اختصاص السلطة التنفيذية العليا. وحتى لو سلمنا جدلاً بصحة هذا الرأي، وهو أمر قابل للنقاش قانونياً ودستورياً، فإن السؤال الأهم يبقى: متى أصبحت هذه القوى بهذا القدر من الغيرة على الاختصاصات الإدارية والتفاصيل البروتوكولية؟ ومتى تحول حرّاس المحاور الإقليمية إلى فقهاء في اللامركزية الإدارية وصلاحيات المجالس المحلية؟

ولو كان الهدف فعلاً احترام الأطر القانونية، لكان بالإمكان اللجوء إلى التوقيع بالأحرف الأولى بوصفه إعلان نوايا وتمهيداً مستقبلياً لإبرام اتفاقية تجمع بين بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، ودمشق، حاضرة الخلافة الأموية، في خطوة تحمل من الرمزية الحضارية والتاريخية ما يفوق في أهميته كثيراً من المناكفات السياسية العابرة.

غير أن ما جرى أوحى بأن الاعتراض لم يكن على الصيغة ولا على الاختصاص، بل على الفكرة نفسها. فالبعض لا يبدو منزعجاً من غياب مشاريع اقتصادية كبرى، ولا من تعثر فرص التنمية والاستثمار، بقدر انزعاجه من أي خطوة قد تعيد العراق إلى فضائه العربي الطبيعي خارج حسابات الاصطفافات والمحاور.

والمفارقة الساخرة أن القوى ذاتها التي أمضت سنوات تتحدث عن وحدة المصير والجغرافيا والحدود المفتوحة عندما كانت المصالح السياسية تقتضي ذلك، اكتشفت فجأة عند بوابات دمشق نصوص الصلاحيات والاختصاصات والضوابط الإدارية. وكأن الدستور العراقي خرج من سبات عميق في اللحظة التي طُرحت فيها فكرة التقارب بين بغداد ودمشق.

إن المشكلة ليست في اتفاقية التوأمة، بل في أن بعض العقول السياسية ما زالت تنظر إلى العواصم العربية بمنظار الريبة، بينما تفتح قلبها وعقلها وخرائطها لكل اتجاه آخر. ولذلك بدا المشهد وكأن بغداد ممنوعة من مصافحة دمشق إلا بعد الحصول على موافقات سياسية تفوق في تعقيدها إجراءات عقد معاهدة دولية كاملة، رغم أن الأمر لا يتجاوز خطوة رمزية تعكس تاريخاً مشتركاً ومصالح متبادلة ومستقبلاً إقليمياً يفرض نفسه على الجميع، سواء رضي دعاة التخوين أم لم يرضوا.

والأكثر إثارة للدهشة أن بعض المعترضين اختاروا الاحتماء خلف متاريس “الصلاحيات الإدارية” و”الاختصاصات المحلية” وكأن العائق الحقيقي أمام تقارب بغداد ودمشق هو مادة قانونية غامضة أو توقيع بروتوكولي ناقص، لا إرادة سياسية مترددة. فحين تعلق الأمر بمحاور السياسة الكبرى كانت الحدود الإدارية تتبخر بين ليلة وضحاها، أما عندما طُرحت فكرة توأمة بين بغداد ودمشق، استُنفرت فجأة جيوش الخبراء الدستوريين وفقهاء الاختصاص المحلي.

ولو سلمنا جدلاً بأن الصيغة النهائية تحتاج إجراءات محلية أو موافقات إدارية لاحقة، فما الذي كان يمنع التوقيع بالأحرف الأولى أو إعلان إطار تفاهم سياسي يمهد لتلك الخطوة؟ أم أن المشكلة لم تكن يوماً في الصلاحيات، بل في الحساسية من أي مشروع يعيد وصل بغداد بعمقها العربي بعيداً عن حسابات المحاور ومزاج غرف التخوين؟

فالغريب أن البعض لم يعثر على الدستور إلا عند بوابات دمشق، ولم يتذكر حرمة الاختصاصات إلا عندما أصبح الحديث عن تعاون بين عاصمة الخلافة العباسية وعاصمة الخلافة الأموية. وكأن المشكلة ليست في الإجراء، بل في الفكرة نفسها، وليست في التوقيع، بل في المصافحة التي سبقته.

في مشهدٍ يعكس حجم الانقسام الذي تعيشه المنطقة بين منطق الدولة ومنطق الاصطفافات السياسية، برزت مبادرة رئيس الوزراء العراقي بالتبرع من ماله الخاص بمبلغ عشرة ملايين دولار، مناصفةً بين مرقد السيدة زينب والجامع الأموي في دمشق، بوصفها رسالة سياسية وثقافية تتجاوز حدود الجدل التقليدي. فهي لم تكن دعماً لمَعْلَمٍ ديني على حساب آخر، ولا انتصاراً لرواية مذهبية على أخرى، بل محاولة للتأكيد أن التاريخ والحضارة والتراث المشترك أوسع من الخنادق التي حفرتها سنوات الصراع والاستقطاب.

ولعل ما أزعج بعض المنتقدين ليس قيمة التبرع بحد ذاتها، بل الرمزية التي حملها. فأن يمتد الجسر بين أحد أبرز المعالم الإسلامية الشيعية وأحد أهم الرموز التاريخية السنية في قلب دمشق، فهذا يعني عملياً كسر الصورة النمطية التي اعتادت بعض الخطابات السياسية العيش داخلها. وهي صورة تقوم على تقسيم التاريخ والجغرافيا والهوية إلى مربعات مغلقة لا يسمح بالخروج منها.

فبينما ينشغل البعض بإعادة إنتاج الخصومات القديمة، جاءت هذه المبادرة لتقول إن المحافظة على الإرث الحضاري لا تخضع لمقاييس الولاء والخصومة، وإن الجامع الأموي ليس ملكاً لطائفة، كما أن مرقد السيدة زينب ليس حكراً على فئة دون أخرى، بل هما جزء من ذاكرة المنطقة وتاريخها الممتد عبر قرون.

وربما لهذا السبب أثارت الخطوة كل هذا الجدل؛ لأنها وضعت كثيراً من الخطابات المتشددة أمام سؤال محرج: كيف يمكن الاحتفاء بالتراث عندما ينسجم مع القناعات السياسية، ثم التشكيك فيه عندما يتحول إلى جسر للتقارب والتلاقي؟ وكيف يصبح ترميم صرح تاريخي عملاً مستفزاً لدى البعض، في وقت يفترض أن يكون الحفاظ على الإرث الحضاري موضع اتفاق لا خلاف؟

إن الرسائل الكبرى لا تُقاس أحياناً بحجم الأموال بقدر ما تُقاس بما تكشفه من مواقف. وما كشفته هذه المبادرة هو أن معركة بعض القوى لم تعد حول التاريخ نفسه، بل حول حق الآخرين في قراءته بعيداً عن الانقسامات الضيقة والحساسيات السياسية المتراكمة.

معآ يد بيد ضد مكافحة الفساد المالي والإداري والسياسي في العراق!

شعار المنظمة: بأن المعلومة يجب أن تكون متاحة للجميع، ويظل حق الاطلاع عليها حقًا أصيلًا للجمهور الرأي العام دون تمييز!

منظمة عراقيون ضد الفساد

Iraqi-organization-against-corruptio@protonmail.com