
د. فاضل حسن شريف
تحدث خطيب جمعة مسجد الإمام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري عن موضوع (الانقطاع والدعاء) قائلا: قال أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل (إلهي وربي من لي غيرك أسأله كشف ضري والنظر في أمري) هذه الكلمات تشير الى الانقطاع الى الله تعالى. وللانقطاع مفهومين لغوي ويعني التوقف عن فعل شيء مثلا النهر توقف عن الجريان أي انقطع عنه الماء. والانقطاع هو الانفصال أو عزل شيء عن شيء. أما معنى الاصطلاح الديني للانقطاع هو اتصال الانسان بالملكوت وانفصاله عن المادة والحياة الدنيوية واتصاله بخالقة الله تبارك وتعالى وجعل كل اسباب الحياة راجعة الى الله سبحانه فمثلا الطعام يسد الجوع والله تعالى هو الذي جعل الطعام لسد الجوع، وعندما تعطش فإن الله جعل الماء لسد العطش. فالانقطاع هنا رجوع الاسباب الى الله تعالى.
والانقطاع الى الله له عدة درجات اعتمادا على مجاهدة النفس وتزكيتها حتى تشعر أن كل شيء تعمله بعد التوكل على الله للوصول الى كمال الانقطاع كما جاء في المناجاة الشعبانية (إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك). هنالك عوائق تقف امام الانقطاع وهي وساوس الشيطان الذي يتدخل لمنع وصول المؤمن الى كمال الانقطاع. يحاول الشيطان تضعيف النفس بمنع المؤمن عن قراءة الدعاء الذي ينقي الروح بان يقول الشيطان للمؤمن مثلا دعاء ابي حمزة الثمالي او دعاء كميل يأخذ وقت طويل للقراءة لان يعرف ان الدعاء من العبادة كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام (الدعاء مخ العبادة) وكما جاء في دعاء كميل (اِرْحَمْ مَنْ رَأْسُ مالِهِ الرَّجاءُ وَسِلاحُهُ الْبُكاءُ).
للدعاء أهمية في العبادة كما قال الله تعالى “قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ” (الفرقان 77)، و “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (غافر 60) لذلك ورد ان الدعاء لا يقل شأنا عن قراءة القرآن لأن الله يحب العبد الذي ينقطع له بالدعاء.
يوم بعد يوم تكتشف التكنولوجيا آفاق الكون وكل ذلك هو تسخير من الله تعالى “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً” (لقمان 20) وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام (وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر). وكل هذه المخلوقات وجدت لتكريم الانسان “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً” (الاسراء 70). لذلك نرى ان القمر والشمس والكواكب تكور عندما لا توجد البشرية “إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2)” (التكوير 1-2) كل ذلك لعدم وجود الانسان.
انت تقضي ساعات في قراءة أو الاستماع بما يدور في التواصل الاجتماعي ولكن عندما تريد قراءة دعاء يأتي الشيطان ليتدخل ويمنعك عن القراءة لأنه يعلم عند قراءة دعاء ابو حمزة الثمالي مثلا سوف تنقطع وتقضي وقت طويل مع الله تعالى (إِلهِي، لاتُؤدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الخَيْرُ يارَبِّ وَلا يُوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إِلاّ بِكَ، لا الَّذِي أَحَسَنَ اسْتَغْنى عَنْ عَوْنِكَ)، و (هَبْنِي بِفَضْلِكَ سَيِّدِي، وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ، وَجَلِّلْنِي بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ).
عندما يموت الانسان يتركه الآخرون ويبقى وحيدا الا مع الله تعالى الذي ستقابله وأنت الذي كنت تدعوه في حياتك. فما عليك ان تخطو خطوة خطوة لتصل الى كمال الانقطاع لله تعالى في الدنيا لتحصد ذلك بعد وفاتك وكما جاء (ما رأيت شيئًا إلا ورأيت اللَّه قبله وبعده ومعه وفيه).

