
د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” ﴿الرعد 31﴾ الْمَوْتَى: الْ اداة تعريف، مَوْتَى اسم. يردُّ الله تعالى على الكافرين الذين طلبوا إنزال معجزات محسوسة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: ولو أن ثمة قرآنًا يقرأ، فتزول به الجبال عن أماكنها، أو تتشقق به الأرض أنهارًا، أو يحيا به الموتى وتُكَلَّم -كما طلبوا منك- لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، ولما آمنوا به. بل لله وحده الأمر كله في المعجزات وغيرها. أفلم يعلم المؤمنون أن الله لو يشاء لآمن أهل الأرض كلهم من غير معجزة؟ ولا يزال الكفار تنزل بهم مصيبة بسبب كفرهم كالقتل والأسر في غزوات المسلمين، أو تنزل تلك المصيبة قريبًا من دارهم، حتى يأتي وعد الله بالنصر عليهم، إن الله لا يخلف الميعاد.
وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” ﴿الرعد 31﴾ “ولو أن قرآنا سيرت به الجبال” أي تجعل به الجبال سائرة فأذهبت من مواضعها وقلعت من أماكنها “أو قطعت به الأرض” أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا “أو كلم به الموتى” أي أحيي به الموتى حتى يعيشوا ويتكلموا وحذف جواب لولأن في الكلام دليلا عليه والتقدير لكان هذا القرآن لعظم محله وعلو أمره وجلالة قدره قال الزجاج والذي أتوهم وقد قاله بعضهم أن المعنى لوأن قرآنا سيرت به الجبال أوقطعت به الأرض أوكلم به الموتى لما آمنوا ودليله قوله “ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة” إلى قوله “ما كانوا ليؤمنوا” وحذف جواب لويكثر في الكلام قال امرؤ القيس: فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا. وهو آخر القصيدة وقال: وجدك لوشيء أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا. “بل لله الأمر جميعا” معناه أن جميع ما ذكر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى وكل تدبير يجري هذا المجرى لله لأنه لا يملكه سواه ولا يقدر عليه غيره ولكنه لا يفعل لأن فيما أنزل من الآيات مقنعا وكفاية للمنصفين والأمر ما يصح أن يؤمر به وينهى عنه وهوعام وأصله الأمر نقيض النهي “أ فلم ييأس الذين آمنوا” أي أ فلم يعلموا ويتبينوا عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وأبي مسلم وقيل معناه أ فلم يعلم الذين آمنوا علما ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه عن الفراء وقيل معناه أ فلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم لا يؤمنون عن الزجاج قال لأنه قال “أن لويشاء الله لهدى الناس جميعا” أي أن الله لوأراد أن يهدي الخلق كلهم إلى جنته لهداهم لكنه كلفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق وقيل أراد به مشيئة الإلجاء أي لوأراد أن يلجئهم إلى الاهتداء لقدر على ذلك لكنه ينافي التكليف ويبطل الغرض به “ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا” من كفرهم وأعمالهم الخبيثة “قارعة” أي نازلة وداهية تقرعهم ومصيبة شديدة من الحرب والجدب والقتل والأسر عليهم على جهة العقوبة للتنبيه والزجر وقيل أراد بالقارعة سرايا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كان يبعثها إليهم وقيل أراد بذلك ما مر ذكره من حديث أربد وعامر “أوتحل قريبا من دارهم” وقيل إن التاء في تحل للتأنيث والمعنى أوتحل تلك القارعة قريبا من دارهم فتجاورهم حتى يحصل لهم المخافة منه عن الحسن وقتادة وأبي مسلم والجبائي وقيل إن التاء للخطاب والمعنى أ وتحل أنت يا محمد بنفسك قريبا من دارهم “حتى يأتي وعد الله” أي ما وعد الله من فتح مكة عن ابن عباس قال وهذه الآية مدنية وقيل حتى يأتي يوم القيامة عن الحسن “إن الله لا يخلف الميعاد” ظاهر المعنى.
عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ” إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” (الرعد 31) ونزل لما قالوا له إن كنت نبيا فسيّر عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ونزرع وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي “ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال” نقلت عن أماكنها “أو قطّعت” شققت “به الأرض أو كلم به الموتى” بأن يحيوا لما آمنوا “بل لله الأمر جميعا” لا لغيره فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره إن أوتوا ما اقترحوا، ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعا في إيمانهم، “أفلم ييأس” يعلم “الذين آمنوا أن” مخففة أي أنه “لو يشاء الله لهدي الناس جميعا” إلى الإيمان من غير آية “ولا يزال الذين كفروا” من أهل مكة “تصيبهم بما صنعوا” بصنعهم أي كفرهم “قارعهٌ” داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب “أو تحل” يا محمد بجيشك “قريبا من دارهم” مكة “حتى يأتي وعد الله” بالنصر عليهم، “إن الله لا يخلف الميعاد” وقد حلَّ بالحديبية حتى أتى فتح مكة.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” ﴿الرعد 31﴾ المراد بتسيير الجبال قلعها من أصولها وإذهابها من مكان إلى مكان وبتقطيع الأرض شقها وجعلها قطعة قطعة، وبتكليم الموتى إحياؤهم لاستخبارهم عما جرى عليهم بعد الموت ليستدل على حقية الدار الآخرة فإن هذا هو الذي كانوا يقترحونه. فهذه أمور عظيمة خارقة للعادة فرضت آثارا لقرآن فرضه الله سبحانه بقوله:”ولو أن قرآنا” إلخ، وجزاء لومحذوف لدلالة الكلام عليه فإن الكلام معقب بقوله:”بل لله الأمر جميعا” والآيات – كما عرفت – مسوقة لبيان أن أمر الهداية ليس براجع إلى الآية التي تقترحونها بقولهم:”لولا أنزل عليه آية” بل الأمر إلى الله يضل من يشاء كما أضلهم ويهدي إليه من أناب. وعلى هذا يجري سياق الآيات كقوله تعالى بعد: “بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ”، وقوله:” وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ” الآية، وقوله:” وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ” الآية إلى غير ذلك، وعلى مثله جرى سياق الآيات السابقة. فجزاء لوالمحذوف هو نحو من قولنا: ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله والمعنى ولو فرض أن قرآنا من شأنه أنه تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أويحيا به الموتى فتكلم ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله بل الأمر كله لله ليس شيء منه لغيره حتى يتوهم متوهم أنه لوأنزلت آية عظيمة هائلة مدهشة أمكنها أن تهديهم لا بل الأمر لله جميعا والهداية راجعة إلى مشيته. وعلى هذا فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى:”وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ” (الأنعام: 111). وما قيل: إن جزاء لو المحذوف نحومن قولنا: لكان ذلك هذا القرآن، والمراد بيان عظم شأن القرآن وبلوغه الغاية القصوى في قوة البيان ونفوذ الأمر وجهالة الكفار حيث أعرضوا عنه واقترحوا آية غيره. والمعنى: أن القرآن في رفعة القدر وعظمة الشأن بحيث لوفرض أن قرآنا سيرت به الجبال أوقطعت به الأرض أو كلم به الموتى – أوفي الموضعين لمنع الخلولا لمنع الجمع – لكان ذلك هذا القرآن لكن الله لم ينزل قرآنا كذلك فالآية بوجه نظيرة قوله:” لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ “: الحشر: 21. وفيه أن سياق الآيات كما عرفت لا يساعد على هذا التقدير ولا يلائمه قوله بعده:”بل لله الأمر جميعا” وكذا قوله بعده:” أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ” كما سنشير إليه إن شاء الله ولذلك تكلفوا في قوله:”بل لله الأمر جميعا” بما لا يخلوعن تكلف. فقيل: إن المعنى لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هو هذا القرآن ولكن لم يفعل الله سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده. وقيل: إن حاصل الإضراب أنه لا تكون هذه الأمور العظيمة الخارقة بقرآن بل تكون بغيره مما أراده الله فإن جميع الأمر له تعالى وحده. وقيل: إن الأحسن أن يكون قوله:”بل لله الأمر جميعا”. معطوفا على محذوف والتقدير: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعا. وأنت ترى أن السياق لا يساعد على شيء من هذه المعاني، وأن حق المعنى الذي يساعد عليه السياق أن يكون إضرابا عن نفس الشرطية السابقة على تقدير الجزاء نحوا من قولنا: لم يكن لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله.
وبستطرد العلامة الطباطبائي في تفسيره الآية الرعد 31 قائلا: قوله تعالى:” أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ” تفريع على سابقه. ذكر بعضهم أن اليأس بمعنى العلم وهي لغة هوازن وقيل لغة حي من النخع وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني.* ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم. وقول رباح بن عدي: أ لم ييأس الأقوام أني أنا ابنه. * إن كنت عن أرض العشيرة نائيا. ومحصل التفريع على هذا أنه إذا كانت الأسباب لا تملك من هدايتهم شيئا حتى قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أوكلم به الموتى وأن الأمر لله جميعا فمن الواجب أن يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هداية الذين كفروا لو يشاء الله لهدى الناس جميعا الذين آمنوا والذين كفروا لكنه لم يهد الذين كفروا فلم يهتدوا ولن يهتدوا. وذكر بعضهم أن اليأس بمعناه المعروف وهو القنوط غير أن قوله:”أ فلم ييأس” مضمن معنى العلم والمراد بيان لزوم علمهم بأن الله لم يشأ هدايتهم ولو شاء ذلك لهدى الناس جميعا ولزوم قنوطهم عن اهتدائهم وإيمانهم. فتقدير الكلام بحسب الحقيقة: أفلم يعلم الذين آمنوا إن الله لم يشأ هدايتهم ولويشاء لهدى الناس جميعا أو لم ييأسوا من اهتدائهم وإيمانهم؟ ثم ضمن اليأس معنى العلم ونسب إليه من متعلق العلم الجملة الشرطية فقط أعني قوله:”لو يشاء الله لهدى الناس جميعا” إيجازا وإيثارا للاختصار.
وذكر بعضهم: أن قوله “أفلم ييأس” على ظاهر معناه من غير تضمين وقوله: “أن لو يشاء الله” إلخ، متعلق بقوله: “آمنوا” بتقدير الباء ومتعلق”ييأس” محذوف وتقدير الكلام أفلم ييأس الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من إيمانهم وذلك أن الذين آمنوا يرون أن الأمر لله جميعا ويؤمنون بأنه تعالى لو يشاء لهدى الناس جميعا ولو لم يشأ لم يهد فإذ لم يهد ولم يؤمنوا فليعلموا أنه لم يشأ وليس في مقدره سبب من الأسباب أن يهديهم ويوفقهم للإيمان فلييأسوا من إيمانهم. وهذه وجوه ثلاثة لعل أعدلها أوسطها والآية على أي حال لا تخلومن إشارة إلى أن المؤمنين كانوا يودون أن يؤمن الكفار ولعلهم لمودتهم ذلك لما سمعوا قول الكفار:”لولا أنزل عليه آية من ربه” طمعوا في إيمانهم ورجوا منهم الاهتداء إن أنزل الله عليهم آية أخرى غير القرآن فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم على ذلك فأيأسهم الله من إيمانهم في هذه الآيات، وفي آيات أخرى من كلامه مكية ومدنية كقوله في سورة يس وهي مكية:” وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ” (يس 10)، وقوله في سورة البقرة وهي مدنية:” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ” (البقرة 6). قوله تعالى:” وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” سياق الآيات يشهد أن المراد بقوله:”بما صنعوا” كفرهم بالرحمن قبال الدعوة الحقة، والقارعة هي المصيبة تقرع الإنسان قرعا كأنها تؤذنه بأشد من نفسها وفي الآية تهديد ووعيد قطعي للذين كفروا بعذاب غير مردود وذكر علائم وأشراط له تقرعهم مرة بعد مرة حتى يأتيهم العذاب الموعود. والمعنى: ولا يزال هؤلاء الذين كفروا بدعوتك الحقة تصيبهم بما صنعوا من الكفر بالرحمن مصيبة قارعة أوتحل تلك المصيبة القارعة قريبا من دارهم فلا يزالون كذلك حتى يأتي ما وعدهم الله من العذاب لأن الله لا يخلف ميعاده ولا يبدل قوله.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” ﴿الرعد 31﴾ ثمّ يجيب أُولئك الذين يتشبثّون دائماً بالحجج الواهية فيقول: لو أنّ الجبال تحرّكت من مكانها بواسطة القرآن: “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى”. فمع ذلك لا يؤمنون به. ولكنّ كلّ هذه الأفعال بيد الله ويفعل ما يريد متى يشاء “بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا”. ولكنّكم لا تطلبون الحقّ، وإذا كنتم تطلبونه فهذا المقدار من المعجزة التي صدرت من الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم كاف لإيمانكم. ثمّ يضيف القرآن الكريم “أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا” وهذه إشارة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يجبر الناس وحتّى المعاندين على أن يؤمنوا، لأنّه القادر على كلّ شيء، ولكنّه لا يفعل ذلك أبداً، لأنّ هذا الإيمان الإجباري لا قيمة له وهو فاقد للمعنى والتكامل الذي يحتاجه الإنسان في حياته. ثمّ تضيف الآية “وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ” وهذه مصائب تنزل عليهم بشكل إبتلاءات مختلفة أو على شكل هجوم المسلمين عليهم. وهذه المصائب إن لم تنزل في دارهم فهي “أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ “لكي يعتبروا بها ويرجعوا إلى الله جلّ وعلا. وهذا الإنذار مستمر “حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ”. وهذا الوعد الأخير قد يشير إلى الموت، أو إلى يوم القيامة، أو على قول البعض إلى فتح مكّة التي سحقت آخر معقل للعدو. وعلى أيّة حال فالوعد الإلهي أكيد: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ”.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه “وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” ﴿الرعد 31﴾ مر نظير هذه الآية في سورة الأنعام، وتكلمنا حولها مفصلا بعنوان طراز من الناس في ج 3 ص 248. وأيضا يأتي مثلها في الآية 90 وما بعدها من سورة الإسراء، ونعطف على ما قدمناه ان هذه الآية تصور الطريقة التي يفكر بها الطغاة الذين تقوم حياتهم على استغلال الضعفاء واستعبادهم.. فلا الفطرة والعقل، ولا الحس والمشاهدة، ولا الخوارق والمعجزات، ولا شيء يغير من عتو الطغاة المستغلين وضراوتهم.. والدافع الأول والأخير هو إخلاصهم لوجودهم وكيانهم الذي يقوم على السلب والنهب.. ومع هذا يريدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يعترفوا به وبالقرآن.. ولما ذا يعترفون؟. ألان الجبال تسير – بكتاب من السماء – بلا عجلات، وتكلمهم الأموات؟. ثم ما ذا؟. وأية جدوى لهم في ذلك، بل وفي رؤية اللَّه وجها لوجه؟. هل تزداد أرباحهم، وتكثر أموالهم؟. هذا هو تفكيرهم، وهذه هي اللغة التي يفهمونها ويصغون إليها، ولا يستمعون إلى غيرها.. لغة الكسب والربح الجنيه والدولار، اما الحق والعدل، أما المنطق والعقل فحديث خرافة يصدقه الأطفال، ويؤمن به الجهال.. وهل بعد هذا يسأل سائل: كيف لم يؤمن الطغاة بمحمد، ودعوته دعوة العدل والإحسان؟. وأي ذنب أعظم من هذه الدعوة التي تستأصل الظلم والفساد من الجذور؟. وأي عاقل يوقع بيده الحكم بإعدامه؟. بهذه الطريقة وحدها يفكر الذين تقوم حياتهم على السلب والنهب في كل زمان ومكان.. فكر بها أبو جهل وأبو سفيان في عهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويستطرد الشيخ مغنية في تفسير الآية الرعد 31 قائلا:”أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَويَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً”. قال الطبري: اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله تعالى: أفلم ييئس.. ثم قال: والصواب إن تأويل ذلك أفلم يتبين، ونقل هذا التفسير عن جماعة كثر، منهم الإمام علي عليه السلام. ونحن من الذين يؤمنون بأن أهل البيت أدرى بالذي فيه. ومهما يكن فإن المقصود بالذين آمنوا صحابة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه واله وسلم ) حيث تمنوا متلهفين ان يؤمن المشركون باللَّه ورسوله، فقال لهم جلت عظمته: إلى متى تطمعون في إيمان المشركين؟. ألم تعلموا و تتبينوا أنهم لا يؤمنون بحال حتى ولو كلمهم الموتى، وسارت الجبال؟. دعوهم وطغيانهم، ولوشاء اللَّه أن يلجئهم إلى الايمان لفعل، ولكن حكمته تعالى قضت بأن يترك الإنسان وما يختاره لنفسه حرصا على حريته وإنسانيته، ولوسلبه الحرية والإرادة لم يكن شيئا مذكورا، ولما استحق مدحا أوذما، ولا ثوابا أوعقابا.. انظر تفسيرنا لقوله تعالى: “ولَوشاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود 118). “ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوتَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ”. المراد بالذين كفروا من كذّب بنبوة محمد صلى الله عليه واله وسلم، والمعنى انه تعالى لا يترك في الدنيا هؤلاء المكذبين من غير تأديب، بل ينزل عليهم الكوارث والبلايا الحين بعد الحين بسبب موقفهم من رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم، أوينزل مصيبة من حولهم تملأ قلوبهم خوفا ورعبا، ويتابع ذلك حتى ينجز اللَّه وعده لنبيه بالنصر ” إِنَّ اللَّهً لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ “. كيف؟. ووعده أصدق الوعد، والصحابة وكل مؤمن على ثقة بأن اللَّه منجز وعده، وناصر جنده لا محالة..

