نظام مير محمدي *
في الأيام التي يجتمع فيها عالم السياسة في مؤتمر ميونيخ للأمن لمعالجة الأزمات العالمية، لا يُسمع الصوت الحقيقي للشعب الإيراني في القاعات المغلقة وبين أروقة الضغوط السياسية الخفية، بل يصدح عالياً في شوارع برلين وميونيخ. إن المظاهرات المهيبة للإيرانيين الأحرار وأنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ليست مجرد تجمع احتجاجي؛ بل هي تجلٍ لإرادة صلبة تهدف إلى العبور من الشمولية والاستبداد. هذه الانتفاضة السياسية في قلب أوروبا تبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي: إيران تقف على أعتاب تحول كبير، وقد شق أبناء هذا الوطن طريقهم من بين هاويتي “الديكتاتورية الدينية” و”الديكتاتورية الملكية” نحو قمة “الجمهورية الديمقراطية”.
برلين وميونيخ؛ بؤرة غليان الإرادة الوطنية
إن المظاهرات والمؤتمرات التي عُقدت في برلين وميونيخ، تتجاوز كونها رد فعل لحظي، لتشير إلى النضج السياسي والتنظيم العالي للمقاومة الإيرانية. وكما طُرح في المؤتمر الصحفي للمقاومة الإيرانية بالتزامن مع قمة ميونيخ، يجب أن يعلم العالم أن القضية الإيرانية ليست خياراً بين السيء والأسوأ أو عودة إلى الماضي. لقد كان الحضور الحماسي للإيرانيين في هذه المظاهرات بمثابة خط بطلان على كافة المشاريع المساومة أو الرجعية التي تحاول حرف مسار نضال الشعب عن طريقه الأصيل.
أثبتت هذه التجمعات أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بصفته البديل الديمقراطي الوحيد، لا يمتلك وزناً ومصداقية لا يمكن إنكارها في الداخل بالاعتماد على “الشباب الثوار” فحسب، بل في الساحة الدولية أيضاً. كانت رسالة هذه المظاهرات واضحة: الشعب الإيراني يطالب بإسقاط النظام الحاكم برمته، ويرفض أي نوع من الصفقات مع أجنحة النظام الداخلية أو بقايا الاستبداد السابق.
لا للشاه، لا للملا؛ رسم الحدود مع الديكتاتوريتين
كان أحد المحاور الرئيسية التي طُرحت في مظاهرات ميونيخ ومؤتمر برلين، هو التأكيد على الشعار الاستراتيجي “لا للشاه، لا للملالي”. هذا الشعار متجذر في الذاكرة التاريخية للأمة الإيرانية. في فبراير 1979، طوى الشعب الإيراني بثورة عظيمة صفحة الديكتاتورية الملكية لينال الحرية والسيادة الشعبية. ورغم أن تلك الثورة سُرقت من قبل خميني وشبكة “الملالي”، إلا أن المطلب التاريخي للشعب برفض الملكية لا يزال قائماً.
تؤكد المقالات والتحليلات المقدمة خلال هذه الأحداث أن محاولة إحياء الملكية المدفونة، ليست إهانة للوعي السياسي للشعب الإيراني فحسب، بل هي خدمة مباشرة لبقاء نظام “الملالي”. إن الشعب الإيراني الذي قدم دماء غزيرة للخلاص من نير الاستبداد الديني، لن يسمح أبداً بأن تعود عجلة التاريخ إلى الوراء ليحل الاستبداد الوراثي محل الاستبداد الديني. لقد أعلن المتظاهرون في ألمانيا بصوت عالٍ أن الديكتاتورية، سواء كانت بالعمامة أو بالتاج، محكوم عليها بالفناء.
خارطة طريق لإيران حرة
كان مؤتمر برلين بمثابة بؤرة لرسم “خارطة طريق” لإيران المستقبل. في هذه الاجتماعات والبيانات، تم التشديد على أن السبيل الوحيد لإنقاذ إيران هو إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، واحترام حقوق القوميات. إن خطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي هي خلاصة هذه المطالب الوطنية والديمقراطية، والتي حظيت بدعم قاطع في المظاهرات الأخيرة.
في ظل الظروف التي علق فيها النظام الحاكم في مآزق مميتة داخلياً ودولياً، فإن وجود بديل سياسي محدد ومنظم هو الحاجة الأكثر حيوية للمرحلة الانتقالية. وقد أظهر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، من خلال تقديم هذا البرنامج والاعتماد على القوة المضحية لـ”الشباب الثوار” داخل المدن الإيرانية، أنه يمتلك القدرة والكفاءة اللازمة لإدارة مرحلة انتقال السلطة إلى الشعب.
الخاتمة
لقد وضعت الأحداث السياسية والمظاهرات المهيبة في برلين وميونيخ حقيقة المشهد السياسي الإيراني مرة أخرى أمام أنظار العالم. ورسالة هذا الحضور الملحمي هي أن زمن المهادنة مع النظام أو التعويل على بدائل وهمية وتابعة للقوى الخارجية قد ولى.
إن الشعب الإيراني الذي أسقط بإرادة فولاذية ديكتاتورية الشاه في فبراير 1979، يسعى اليوم بنفس العزم وبخبرة ثمينة لإسقاط ديكتاتورية “الملالي”. إنهم لا يبحثون عن إعادة إنتاج الاستبداد في ثوب آخر؛ بل يطالبون بالحرية، والديمقراطية، وسيادة جمهور الشعب. يجب على العالم أن يسمع صوت هذا البديل الديمقراطي وأن يقف بجانب شعب لا يتوانى عن أي تضحية من أجل بناء إيران حرة وعامرة.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني