ثامر عباس
ان فحوى هذا الموضوع يتقاطع تماما”مع كل الدعاوى التي ينادي أصحابها بضرورة إسدال ستار (النسيان) على الماضي وطيّ صفحات التاريخ القديم ، لكي يصار بمقدورنا التخلص من أعباء المواريث والتطلع من ثم صوب آفاق المستقبل دون أن نكون مثقلين بأوزار الأول ورزايا الثاني . ان زعم البعض بإمكانية إجراء عملية (النسيان) وتصفير مخزون الذاكرة ، دون خوض تجربة (استحضار) الماضي لاستكشاف ما أقصي وأهمل ، و(استنطاق) التاريخ لإماطة اللثام عما أسكت عنه وأحجم القول فيه ، لن يكون مردودها سوى تكرار حصاد الفشل الذريع والخذلان المريع ! .
صحيح ان محاولات حثّ الآخرين على نسيان الماضي والغفلة عن التاريخ ، تكون في بعض الحالات مجدية وربما نافعة على الصعيد الذاتي / الشخصي ، من حيث التخلص من التوترات والاحتقانات التي تنغص على الذات صفائها الذهني وهدوئها النفسي ، ولكنها على الصعيد الجماعي / الاجتماعي قد تكون مفضية الى تفعيل عوامل الدمار الاجتماعي والخراب الحضاري ! . ليس لأن الأحداث التي قاسى منها الإنسان / الفرد وعانى من عواقبها وتداعياتها قليلة الألم ومحدودة الضرر ، وإنما لكونها لا ترقى الى مستوى ما تخلفه من كوارث وفواجع فيما لو نظر إليها بالمنظار التاريخي والسيكولوجي للجماعات المكوّنة للمجتمع .
وفيما لو تجاوزنا مخزون ذاكرة (الأفراد) وتخطينا حصيلتها من الأحداث الساخنة والوقائع البارزة التي استبطنتها عبر التقادم الزمني والتراكم المكاني ، وذلك أثناء تعاطيها المستمر مع السرديات التاريخية المتداولة ، وانخراطها الدائم بالمجايلات الاجتماعية المتفاعلة . فإنه من المتعذر ، بلّه المستحيل – التغاظي عما تحتشد به مخزونات الذاكرة (الجماعية أو الجمعية) من خطوب جائرة وندوب غائرة لا يمكن الاستهانة بها أو تجاهلها ، فضلا”عما قد يكون ترسب في قيعانها وتغلغل بين تجاويفها من إيحاءات سيكولوجية لا تزول وتمثلات ذهنية لا تمحى . لا بل ان أية محاولة متهورة تستهدف إسدال الستار عليها أو التقليل من شأنها ، كائنة ما كانت المزاعم والادعاءات ، سوف تأتي بمردود عكسي لم يكن في الحسبان توقعه أو أخذه على محمل الجد ، بحيث لا يجعل من تلك الإيحاءات والتمثلات أكثر صلابة وأشد تماسكا”مما كانت عليه سابقا”فحسب ، وإنما كذلك سيحفز مكوناتها ويستنفر عناصرها لتصبح أسهل في التعبئة الإيديولوجية وأسرع في التجييش السياسي .
والحال إذا كان الأمر على هذه الشاكلة من التعقيد والحساسية ، كيف يمكننا الحديث عن إمكانية حمل الجماعات المتكارهة والمتصارعة ، على خلفية احتقانات الماضي والتباسات التاريخ ، (التصالح) مع هذا الكم الهائل من الجروح والآلام النفسية الممضّة ، ومن ثم إسقاط هذه التركة الثقيلة في غياهب (النسيان) هكذا ببساطة دون أي ثمن ؟! . وفي إطار البحث عن مخرج يتيح الانعتاق من هذه المتاهة ، ربما سؤال يطرح نفسه : ما العمل إذن ؟! ، وما هو السبيل أو المدخل الذي يمكن أن يحل لنا هذا اللغز المحيّر وينتشلنا من هذه الدوامات العاصفة ؟! .
الحقيقة أنه لا يمكن الإفلات من هذا (الخانق التاريخي) إلاّ بانتهاج طريق واحد صعب ومكلف ، ولكن لا بديل له ولا خيار سواه ، وهو اضطلاع كل من ينشد الخلاص من هذه الفواجع المتراكمة والمواجع المتفاقمة ، التي لم تبرح تفتك بكل ما يبعث الحياة في كيان العراق والعراقيين من مؤرخين وباحثين وأكاديميين . وذلك بتبني مشروع حضاري شامل لا يستهدف فقط (استحضار) مواريث (الماضي) و(تحيين) سرديات (التاريخ) ، بقصد تكرار أحداثها واجترار مضامينها تحت يافطة (إعادة قراءة التاريخ) ، كما حصل ويحصل لحدن الآن فحسب . وإنما بغية (تفكيك) منظومات البنى العميقة ونبش طبقات الطمى الراكدة بكل ما فيها من غثّ وسمين ، ومن ثم تعريضها لعمليات (نقد) صارم و(تعرية) جذرية لا تستثنى حقل من الحقول المحرمة إلاّ وهتكته ، ولا تعفي مضمار من المضامير الممنوعة إلاّ وانتهكته ! .
وهكذا ، وبعد هذه العملية الجريئة والاقتحامية – وليس قبلها بالضرورة – الشروع بعمليات (مكاشفة) صريحة و(محاسبة) قاسية لكل ما حوته الذاكرة التاريخية واستبطنه المخيال الجمعي من أحداث (ملفقة) ووقائع (مختلقة) ، ساهمت بتدوينها وتكريسها أنظمة سياسية طاغية ومؤسسات دينية فاسدة ، بحيث يعاد ترتيب وموضعة تلك الأحداث والوقائع وفقا”لمصادرها الأصلية دون إضافات وسياقاتها الفعلية دون رتوش . هنا وعند هذا المنعطف المفصلي يمكننا الحديث عن أمكانية حصول (مصالحة) مع الماضي ، وامتلاك قدرة التعايش مع (النسيان) . أما بغير هذا الدرب الوعر والمضني ، فلن يكون أمامنا سبيل آخر سوى المزيد من زراعة الخراب الاقتصادي ، وحصاد الدمار الاجتماعي ، وجني الانحطاط الحضاري .