السينما وصناعة الذاكرة..!

رياض الفرطوسي

في مساءٍ طويل، كنّا أنا وصديق مخرج وممثل نجلس في مقهى قديم يطل على نهر المدينة. كؤوس الشاي تبرد أمامنا ونحن نغوص في حديثٍ بدا كأنه لا ينتهي. لم يكن حواراً عن الأفلام فحسب، بل عن ذاكرة الشعوب التي تصنعها السينما، وعن كيف يمكن لصورةٍ واحدة أن تبقى حيّة أكثر من كتب التاريخ كلّها.

قال صديقي وهو يعبث بولاعةٍ صغيرة:
– “انظر، الأمريكيون لا يتركون شيئاً للصدفة. كل فيلم عندهم مشروع هوية. في الحرب الباردة مثلاً، لم تكن أفلامهم مجرد ترفيه، بل جبهة أخرى من جبهات الصراع. البطل الأمريكي دائماً يخرج منتصراً، والجمهور في الداخل والخارج يصفّق. هذا ليس عبثاً، بل هندسة لذاكرةٍ جمعية.”

أجبته:
– “والروس بدورهم لم يتأخروا. السينما السوفيتية، منذ أيزنشتاين، كانت مصنعاً للبطولات والأساطير. كانوا يعرفون أن المونتاج نفسه قد يتحول إلى سلاحٍ أيديولوجي. حتى مشهد بسيط لسير العمال في مصنعٍ كان يقدَّم بوصفه ملحمة وطنية.”

ابتسم صديقي وأضاف:
– “ولا تنسَ هتلر! لقد فهم باكراً أن الكاميرا قد تكون أخطر من المدفع. أفلام ليني ريفنشتال لم تكن صوراً فقط، بل آلةً لصناعة قداسة الزعيم وتثبيت خيالات التفوق في عقول الأجيال. إنهم لم يكتفوا بالسياسة، بل أعادوا صياغة التاريخ على شاشة بيضاء.”

تأملت قليلاً وقلت:
– “بينما نحن هنا… السينما عندنا تتنفس بصعوبة. شاشات قليلة، دعمٌ رسميّ متذبذب، إنتاجٌ خجول، وغيابُ صناعة متكاملة. نملك قصصاً أكبر من أن تُحصى، لكننا نفتقد الأدوات لصياغتها. بل حتى حين ننتج، نفتقد الوعي بأن كل مشهد قد يتحول إلى ذاكرة جمعية.”

رفع صديقي رأسه نحو سقف المقهى وكأنه يخاطب المستقبل:
– “المشكلة أننا نُعامل السينما كترفٍ، بينما هي في الحقيقة ضرورة. هي ليست للضحك والبكاء فقط؛ هي لتثبيت من نحن، كيف نرى أنفسنا، وكيف نريد للعالم أن يرانا. السينما الأميركية جعلت راعي البقر رمزاً قومياً، بينما السينما اليابانية جعلت الساموراي أسطورة باقية. أين أساطيرنا؟”

كان حديثنا يمتد من الفن إلى السياسة، ومن التقنية إلى الحلم. ناقشنا الموسيقى التصويرية، وكيف يمكن لآلة نايٍ شرقية أن تختصر حنين أمة. تحدثنا عن المونتاج وكيف تقطع لقطةٌ واحدة مسار التاريخ. استدعينا أسماء مخرجين عالميين، وقارنا بين هوليوود المهيبة واستوديوهاتنا المتواضعة. وكلما ابتعدنا في الأمثلة العالمية، ازداد ألم السؤال: لماذا تبقى سينمانا في حالة كساد وخمول؟

قلت له في النهاية:
– “الجواب ليس سحرياً. نحتاج أولاً إلى وعيٍ بأن السينما تصنع ذاكرة لا تُشترى بالمال فقط. نحتاج إلى مدارس تخرّج مخرجين وموسيقيين ومونتيرين. نحتاج إلى دعمٍ لا يتوقف عند موسمٍ انتخابي أو مهرجانٍ عابر. نحتاج إلى أن نروي قصص البصرة والموصل وبغداد والسماوة كما هي، لا كما يتخيلها الآخرون.”

ابتسم صديقي، وضع ولاعته على الطاولة، وقال بنبرةٍ حاسمة:
– “السينما إن لم تصنع ذاكرتك، سيصنعها غيرك. والسؤال: هل نريد أن نعيش بذاكرةٍ مستعارة؟”

غادرنا المقهى وقد ثقل الكلام في صدورنا، لكنّ الأمل كان لا يزال حيّاً. فكل فيلم لم يُصنع بعد، هو وعدٌ مؤجل لذاكرةٍ يمكن أن تولد.