“صوت للبيع( حين تتحول الديمقراطية إلى صفقة)

بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي – كاتب ومؤلف، ماجستير

في كل موسم انتخابي، تتجدد الأسئلة حول نزاهة العملية الديمقراطية، وتطفو على السطح ظاهرة خطيرة تهدد جوهر المشاركة الشعبية، وهي بيع الناخب صوته مقابل مبلغ مالي أو منفعة شخصية. هذه الممارسة ليست مجرد خطأ فردي، بل هي انعكاس لأزمة اجتماعية وسياسية عميقة، إذ يتحول الصوت الانتخابي من أمانة وطنية إلى سلعة في سوق المصالح الضيقة.
حين يقرر الناخب أن يفرّط بصوته، فإنه في الحقيقة يتنازل عن حقه في صناعة المستقبل، ويحوّل إرادته إلى ورقة بيد من يملك المال لا من يملك الرؤية.
هذه الظاهرة تنشأ غالبًا من تداخل عوامل متعددة؛ فالفقر والحرمان الاقتصادي يضعان المواطن أمام إغراء يصعب مقاومته، بينما ضعف الوعي السياسي يجعله يختزل قيمة صوته في ثمن مادي عاجل، لا في أثره البعيد. يضاف إلى ذلك حالة الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات، حيث يشعر البعض أن صوته لن يغير شيئًا، فيستسلم لإغراء المال السياسي الذي يقدمه المرشحون الباحثون عن السلطة بأي وسيلة.
لكن خطورة هذه الممارسة لا تقف عند حدود اللحظة الانتخابية، بل تمتد لتصوغ مستقبلًا مشوّهًا. فالنتائج التي تُبنى على شراء الأصوات لا تعكس الإرادة الحقيقية للشعب، بل تعكس قوة المال وقدرته على التلاعب بالضمائر. وهكذا يصل إلى مواقع القرار أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة والنزاهة، لأنهم لم يدخلوا المنافسة ببرامج واضحة أو رؤى إصلاحية، بل عبر صفقات مالية. ومع مرور الوقت، يتكرس الفساد السياسي، وتصبح السلطة أداة لخدمة مصالح ضيقة بدل أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية.
وإن بيع الصوت الانتخابي يضعف الثقة بالديمقراطية نفسها، إذ يشعر المواطنون أن العملية برمتها مجرد مسرحية تُدار بالمال، فيفقدون الأمل في جدوى المشاركة، ويتراجع الحماس الشعبي نحو صناديق الاقتراع. وهذا الانحدار يفتح الباب أمام مزيد من التلاعب، ويجعل المجتمع أسيرًا لدائرة مغلقة من الفساد والإحباط.
إن الصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل هو تعبير عن الضمير الجمعي، وعن إرادة الناس في رسم مستقبلهم. التفريط به مقابل المال يعني بيع الضمير قبل بيع الصوت، ويعني التنازل عن حق الأجيال القادمة في أن تعيش في دولة عادلة ونزيهة. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا جماعيًا، وإرادة صلبة، وإيمانًا بأن الديمقراطية لا تُبنى بالصفقات، بل بالمسؤولية والالتزام والوعي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد أن نصنع مستقبلًا يقوم على الكرامة والعدالة، أم نتركه رهينة لسطوة المال؟
الجواب يكمن في أمانة الصوت، وفي قدرة الناخب على أن يدرك أن صوته هو سلاحه الحقيقي، وأن بيعه يعني خسارة الوطن قبل أن يعني كسب المال.