الغياب والاشتياق (لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ” ﴿النمل 20﴾ الْغَائِبِينَ: الْ اداة تعريف، غَائِبِينَ اسم. وتفقد سليمان حال الطير المسخرة له وحال ما غاب منها، وكان عنده هدهد متميز معروف فلم يجده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد الذي أعهده؟ أسَتَره ساتر عني، أم أنه كان من الغائبين عني، فلم أره لغيبته؟ فلما ظهر أنه غائب قال: لأعذبنَّ هذا الهدهد عذابًا شديدًا لغيابه تأديبًا له، أو لأذبحنَّه عقوبة على ما فعل حيث أخلَّ بما سُخِّر له، أو ليأتينِّي بحجة ظاهرة، فيها عذر لغيبته.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ” ﴿النمل 20﴾ قال الراغب: التفقد التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء والتعهد تعرف العهد المتقدم قال تعالى: “وتفقد الطير” ﴿النمل 20﴾ انتهى. استفهم أولا متعجبا من حال نفسه إذ لا يرى الهدهد بين الطير كأنه لم يكن من المظنون في حقه أن يغيب عن موكبه ويستنكف عن امتثال أمره ثم أضرب عن ذلك بالاستفهام عن غيبته.

جاء في موقع موضوع عن كلام عن البعد والاشتياق للكاتبة فاطمة زهران: كلام عن البعد يبقى هناك شخص رغم البعد والمسافة، يبقى الأكثر حباً، وبقاء في قلوبنا. إنّ هواك في قلبي يضيء العمر إشراقاً، سيبقى حبّنا أبداً برغم البعد عملاقاً. أنا مؤمنة أن البعد يجعلنا نعتاد الغياب، قد يدخلنا في حالة شوق في بداياته، لكننا في نهاية المطاف سنعتاده، لذا لا أجمل من أن يجعلنا البعد أجمل. حين افترقنا تمنّيت سوقاً يبيع السنين، يُعيد القلوب ويُحيي الحنين. قد تكون بعيداً عن نظري لكنّك لست بعيداً عن فكري. يمزّقني البعد، والفراق، يقتلني الحنين، أحنّ إلى الأمس البعيد، أحن إلى الماضي الذي لن يعود، أشتاق لكلمة منه لنظرة أو ابتسامة، ولكن الزمن يحرمني حلاوة اللقاء، ونداوة رؤياه. الحنين هو مسامرة الغائب للغائب، والتفات البعيد إلى البعيد. في بعدك، تثقل عليّ الدقايق، والوقت مع غيرك لم يعد يطاق، ربطتني ما بين عهد، ووثائق، وأصبحت للقصائد، والأوراق. أمثال عن البعد والاشتياق البعد جفاء. البعيد عن العين بعيد عن القلب. فأنت القريب بكل ما أوتيتَ من بعد. أنت كالحلم، ترنّ في البعيد. كن عاقلاً أيها الشوق. اشتقتُ إليك، فعلِّمني أن لا أشتاق. الليلُ تاريخ الحنين، وأنت ليلي. شعر عن الشوق والبعد يقول صباح الحكيم: الشوق أضرم خافق الكلمِ فذوى فؤاد الشعر بالألمِ. البعد زاد الحزن في كبدي وغيابكم أدى إلى عدمي. فَقلوبنا اشتدت مواجعها ومراكب الأشواق كالحممِ. أو هكذا تنسون عشرتنا؟ فَيعود لحن الحزن في قلمي. لولاكمُ ما قد سرى أبدا حرفي ولا غنت هنا نظمي. وتقول إن الحبّ يجمعنا دوما ولا أنساكِ ذا قسمي. يقول المتنبي: أُغالِبُ فيكَ الشّوْقَ وَالشوْقُ أغلَبُ وَأعجبُ من ذا الهجرِ وَالوَصْلُ أعجبُ. أمَا تَغْلَطُ الأيّامُ فيّ بأنْ أرَى بَغيضاً تُنَائي أوْ حَبيباً تُقَرّبُ. وَلله سَيْرِي مَا أقَلّ تَئِيّةً عَشِيّةَ شَرْقيّ الحَدَالى وَغُرَّبُ. عَشِيّةَ أحفَى النّاسِ بي مَن جفوْتُهُ وَأهْدَى الطّرِيقَينِ التي أتَجَنّبُ. وَكَمْ لظَلامِ اللّيْلِ عِندَكَ من يَدٍ تُخَبِّرُ أنّ المَانَوِيّةَ تَكْذِبُ.

وردت كلمة غائب ومشتقاتها في القرآن الكريم: بِالْغَيْبِ غَيْبَ الْغَيْبِ لِلْغَيْبِ الْغُيُوبِ غَائِبِينَ غَيَابَةِ غَيَابَتِ الْغَائِبِينَ غَائِبَةٍ يَغْتَب غَيْبِهِ بِغَائِبِينَ. قال الله تعالى عن الغائبين “فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ” ﴿الأعراف 7﴾، “وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ” ﴿النمل 20﴾، “وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ﴿النمل 75﴾، “وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ” ﴿الإنفطار 16﴾.

جاء في موقع صدى البلد عندعاء للميت قصير كلمات تخفف عنه ظلمة القبر: فالدعاء من الأعمال الصالحة التي يصل ثوابها للميت وينتفع به، كما يعد الدعاء منحة من الله عز وجل لأن نطلب منه – سبحانه- أن يغفر له ذنوبه ويوسع له في قبره، ويدخله المنازل العالية في جناته، فيستحب لكل مسلم أن يحرص على اغتنام هذه المنحة الربانية لكل عزيز أو غالى فارقه، فالدعاء للميت لهفضل كبير. دعاء للميت قصير: (اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، اللهم عامله بما أنت أهله، ولا تعامله بما هو أهله). ( اللهم أنت رب هذه الروح، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له). (اللهم اجزه عن الإحسان إحسانًا، وعن الإساءة عفوًا وغفرانًا، اللهمّ إن كان محسنًا فزد من حسناته، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته، اللهم أدخله الجنة من غير مناقشة حساب، ولا سابقة عذاب، اللهم آنسه في وحدته، وفي وحشته، وفي غربته). (اللهم إنه عبدك وابن عبدك، خرج من الدنيا، وسعتها، ومحبوبها، وأحبائه فيها، إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، اللهم إنه كان يشهد أنّك لا إله إلّا أنت، وأن محمّدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به). (اللهم إنا نتوسل بك إليك، ونقسم بك عليك أن ترحمه ولا تعذبه، وأن تثبته عند السّؤال، اللهم إنّه نَزَل بك وأنت خير منزولٍ به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غنيٌّ عن عذابه، اللهم آته برحمتك ورضاك، وقهِ فتنة القبر وعذابه، وآته برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين).