حادثة البصرة… جرس إنذار لمنظومتنا الاخلاقية
علي قاسم الكعبي
لم تعد حادثة التحرش بالنساء في محافظة البصرة مجرد واقعة عابرة يمكن تجاوزها أو التعامل معها كتصرف فردي بل باتت مؤشرًا خطيرًا على خلل اجتماعي وأخلاقي يستوجب الوقوف عنده بجدية ومسؤولية. فحين يتحول السلوك المنحرف من فعل فردي إلى ممارسة جماعية، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطأ الشخصي ليصل إلى تهديد مباشر لمنظومة القيم المجتمعية
لقد تربّى المجتمع العراقي،على قيم راسخة من الشهامة والرجولة واحترام المرأة وصون كرامتها، بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء المجتمع، لا هدفًا للانتهاك أو الإهانة. غير أن ما شهدته البصرة مؤخرًا يثير تساؤلات مُقلقة حول أسباب تراجع هذه القيم، ودور الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والخطاب الإعلامي في مواجهة هذا الانحدار.
إننا، في الوقت ذاته، نذكر النساء بالحشمة التي تربت عليها المرأة العراقية وهذا لايعني تقييدها وسجنها في المنزل فهي اليوم تشارك الرجل في كل اعمالة وفي ذات الوقت . لا نحبّذ خروج النساء في أوقات متأخرة، فضلًا عن مزاحمتهن للشباب عندما تكون هناك مناسبة أو تجمع شبابي كبير. ومن المؤكد أن هناك من يقف مع هذه الرؤية، لأننا نعرف أن بعض الشباب منحرفون، لا يمتلكون أخلاقًا، ويتصرفون خارج إرادتهم نتيجة تعاطي المخدرات. ورغم ذلك، فإن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال ما يحدث.فتخيل كيف يكون الحال عندما تقع الشاة فريسة بين قطيع الذئاب المفترسة انها الفطرة الحيوانية سوف تحدد ما سيحدث
إن تبرير مثل هذه السلوكيات تحت شعار “الحرية” يُعد مغالطة واضحة، في حين تؤكد الحقيقة أن ما يحدث لا يمتّ للحرية بصلة، بل يمثل فوضى أخلاقية وانفلاتًا سلوكيًا مرفوضًا قانونيًا وإنسانيًا. فالحرية، في أي مجتمع متحضر، تقف عند حدود احترام الآخرين وعدم المساس بكرامتهم وحقوقهم، وحتى في أكثر الدول انفتاحًا تُعد مثل هذه الأفعال جرائم يُعاقب عليها القانون دون تهاون.
إن خطورة هذه الحوادث لا تكمن في الفعل ذاته فحسب، بل في الصمت المجتمعي الذي قد يرافقها، أو في محاولات التقليل من شأنها، وهو ما يفتح الباب أمام تكرارها واتساع رقعتها. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى نقاش مجتمعي هادئ ومسؤول يهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية لهذه الظواهر، لا الاكتفاء بردود الأفعال المؤقتة.
وفي هذا الإطار، يُحسب للسلطات المحلية في البصرة، وعلى رأسها المحافظ، اتخاذ إجراءات قانونية حازمة بحق المتورطين، في رسالة واضحة تؤكد أن كرامة المرأة خط أحمر، وأن القانون سيبقى الفيصل في حماية الأمن الاجتماعي والحفاظ على السلم المجتمعي.
إن حماية النساء من التحرش ليست قضية فئوية أو آنية، بل هي مقياس حقيقي لمدى تحضر المجتمع واحترامه لذاته؛ فالمجتمع الذي يعجز عن حماية نسائه يعجز عن حماية مستقبله.