ما الذي أجبر الحكومة المؤقتة على وقف النار في الشيخ مقصود والأشرفية!!!

ما الذي أجبر الحكومة المؤقتة على وقف النار في الشيخ مقصود والأشرفية!!!

بقلم/ يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ المانيا
المقدمة:
لم يكن وقف إطلاق النار في حلب خيارا إنسانيا ولا مبادرة حسن نية بل جاء بعد أن جُرّبت لغة النار حتى نهايتها وبعد أن اصطدمت آلة الحرب بأحياء سكنية صامدة رفضت الانكسار
ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن مجرد مواجهة عسكرية بل محاولة لفرض إرادة بالقوة على مجتمع بأكمله
وحين فشل السلاح في تحقيق أهدافه تدخل القرار السياسي ليرسم حدودا جديدة للصراع

وقف إطلاق النار في حلب لم يكن حدثا عابرا ولا نتيجة تفاهم سهل بل جاء بعد أيام من المواجهات العنيفة التي كشفت حجم الاختلال الصارخ في موازين القوة وحقيقة القرار السياسي في سوريا
ما جرى في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية يؤكد أن الصراع لم يعد محصورا في الميدان بل تحكمه حسابات دولية صارمة وخطوط حمراء لا يسمح بتجاوزها عندما يتعلق الأمر بقوات سوريا الديمقراطية

شهدت هذه الأحياء هجوما واسعا استخدمت فيه ترسانة عسكرية ثقيلة من دبابات وآليات مدرعة ومدفعية وراجمات صواريخ وطائرات مسيرة بمشاركة تشكيلات عسكرية متعددة
في المقابل لم يكن عدد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية داخل الحيين يتجاوز نحو ثلاثمئة مقاتل فقط كان نصفهم من النساء يدافعون عن أحياء مدنية مأهولة بالسكان
هذا التفاوت الكبير بين القوة المستخدمة وعدد المدافعين يكشف أن ما حدث لم يكن معركة عسكرية متكافئة بل استهدافا مباشرا للمدنيين ومحاولة لفرض أمر واقع بالقوة

انتهت المواجهات باتفاق تم التوصل إليه بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة بوساطة أمريكية مباشرة
نص الاتفاق على انسحاب جميع مقاتلي الحكومة المؤقتة من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية
وبموجبه تبقى مجموعات محدودة من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية المنحدرين من هذه الأحياء للقيام بمهام حفظ الأمن كشرطة محلية أو ضمن قوات الأسايش بهدف حماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم
على أن تكون هذه القوات خاضعة إداريا لوزارة الداخلية في محافظة حلب

كما ألزم الاتفاق جميع الأطراف بتسهيل عودة المهجرين الذين يبلغ عددهم نحو مئة وخمسة وخمسين ألف مدني إلى منازلهم بصورة آمنة ومنظمة
هذا البند يشكل جوهر الاتفاق لأن وقف إطلاق النار دون عودة الناس إلى بيوتهم يبقى إجراء شكليا لا أكثر

إعلان الحكومة السورية المؤقتة وقف إطلاق النار لم يكن نتيجة مراجعة داخلية بقدر ما كان ثمرة ضغوط سياسية وعسكرية واضحة
بحسب آراء محللين ومتابعين تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر لفرض التهدئة بعد تصاعد المواجهات
قاد المبعوث الأمريكي توم باراك اتصالات مباشرة مع الحكومة المؤقتة مطالبا بالالتزام الفوري بوقف إطلاق النار والعودة إلى الحل السياسي
وترافق ذلك مع تحليق مكثف للطيران الأمريكي فوق محافظة حلب في رسالة ضغط واضحة ساهمت في تسريع القرار وسحب القوات المهاجمة من الحيين

ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية سيبقى بصمة عار في سجل الحكومة السورية المؤقتة
وهو حدث لا يمكن فصله عن سياق دموي أوسع شهدته مناطق أخرى مثل الساحل السوري ومحافظة السويداء
حيث تكررت أنماط استخدام القوة ضد المدنيين وتجاهل الحلول السياسية
هذا التكرار يعكس عقلية إدارة الأزمات بالقوة وما يترتب عليها من مآس إنسانية وانتهاكات جسيمة

تكشف هذه الأزمة إصرار واشنطن على حماية قوات سوريا الديمقراطية ومنع فرض وقائع عسكرية جديدة على حساب المدنيين
كما تحمل رسالة واضحة إلى الحكومة السورية المؤقتة بأن استهداف الأحياء المدنية لن يمر دون رد
ورسالة أخرى إلى تركيا بأن خطوط الاشتباك مع قوات سوريا الديمقراطية ما زالت خاضعة لحسابات دولية دقيقة

الخلاصة :
أن ما حدث في حلب لم يكن مجرد جولة قتال بل اختبارا حقيقيا لموازين القوى وحدود القرار العسكري
لقد أثبتت الأحداث أن التفوق الناري لا يمنح شرعية
وأن مواجهة أحياء مدنية ببضع مئات من المقاتلين نصفهم من النساء لا يمكن تبريره تحت أي عنوان
وقف إطلاق النار فُرض بضغط دولي لكنه سيبقى هشا ما لم يتحول إلى حماية حقيقية للمدنيين وعودة آمنة للمهجرين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات
وإلى أن يتحقق ذلك ستبقى الشيخ مقصود والأشرفية كما الساحل والسويداء شواهد حيّة على أن الأزمة السورية لم تدخل بعد مرحلة العدالة
بل ما زالت عالقة بين منطق السلاح وحق الإنسان.