السعادة الممكنة
كتب رياض الفرطوسي
في عالمٍ تُدار فيه الدول من فوق رؤوس شعوبها، وتُحسم مصائر المجتمعات على طاولات بعيدة، لم يعد الفرد لاعباً في معادلة بناء الدولة، بل شاهداً على تفككها. السلطة لم تعد شأناً وطنياً خالصاً، بل شبكة مصالح عابرة للحدود: دول، تحالفات، شركات، جيوش، أجهزة، واحتكارات تعرف جيداً كيف تُفرغ السياسة من معناها الإنساني.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “إنقاذ الوطن” عبئاً نفسياً أكثر منه مشروعاً واقعياً. ليس لأن الفكرة نبيلة، بل لأنها باتت خارج قدرة الفرد. وهنا، بدل أن يتحوّل العجز إلى يأس، يمكن أن يتحوّل إلى وعي: وعي بحدود الدور، وبإمكانية نقل الفعل من المجال المستحيل إلى الممكن.
الممكن اليوم ليس بناء الدولة، بل بناء الإنسان. ليس تغيير الخريطة، بل حماية النقطة التي نقف عليها. إنقاذ الذات ومن حولها ليس انسحاباً من المعركة، بل تغييراً في شكلها. حماية الدائرة القريبة—الأسرة، الأصدقاء، الجيران، الهشّين—فعل مقاومة أخلاقية في زمن الانهيارات الكبرى.
السياسة، في جوهرها العميق، ليست فقط صراعاً على السلطة، بل صراعاً على القيم. وعندما تُحتكر السلطة، تبقى القيم آخر مساحة حرة. بناء دوائر صغيرة من التضامن، والمعرفة، والكرامة، هو استثمار طويل الأمد في نسيج اجتماعي لم تستطع الأنظمة تفكيكه بالكامل.
نُهدر طاقة هائلة في محاولة إصلاح ما أُفسد عمداً، بينما يمكننا توجيه هذه الطاقة لبناء “عوالم صمود” صغيرة: بيت لا يُكسر، علاقة لا تُستعمل، طفل يتعلّم أن الحياة قاسية لكنها ليست بلا معنى. هذه العوالم لا تُرى في نشرات الأخبار، لكنها تتراكم بصمت، وتخلق شبكة أمان حقيقية.
المعنى لا يولد دائماً من الإنجازات الكبرى، بل من التفاصيل اليومية. من فعل بسيط يحفظ كرامة إنسان، أو يمنع سقوطاً أخلاقياً ، أو يعيد ثقة مفقودة. في السياسة كما في الحياة، التفاصيل هي ما يصنع الاستمرارية.
في عالم يُقاس فيه النجاح بالأرقام، بالنمو، بالاستهلاك، تُصبح السعادة سلعة ضخمة: قصور، سيارات، أزياء، صور مفلترة . لكن التجربة الإنسانية تقول عكس ذلك. السعادة غالباً صغيرة، قريبة، ومتواضعة: فنجان قهوة، خبر سار، لقاء مصادفة، نزهة في يوم مشرق، عربة أطفال في حديقة، موقد نار وخلفه مطر، مصافحة صادقة، لمسة حنان في لحظة هشّة.
هذه ليست رومانسية، بل سياسة حياة. لأن الإنسان الذي يجد معنى في هذه التفاصيل أقل قابلية للاستغلال، وأقدر على مقاومة الإذلال، وأصعب انقياداً للخوف. هنا يعمل ما يُعرف في العلوم الاجتماعية بأثر التراكم: التغيير الصغير الذي يبدو بلا قيمة، لكنه مع الزمن يُحدث تحوّلًا عميقاً.
المجتمع نسيج أفراد. وقد يكون إصلاح خيط واحد كافيًا لمنع الثوب من التمزق. إنقاذ فرد واحد قد يعني إنقاذ عائلة، ثم حيّ، ثم منظومة قيم كاملة. التاريخ لا يُصنع فقط في القصور، بل في هذه الدوائر الضيقة التي لم تُكتب أسماؤها في الكتب.
في زمن العجز السياسي، تصبح السعادة الممكنة موقفاً. ليست إنكاراً للواقع، ولا هروباً منه، بل طريقة ذكية للعيش داخله دون أن نُسحق. تنظيف المساحة التي نقف عليها، بدل محاولة تنظيف العالم كله، فعل وعي لا أنانية.
(لسنا بحاجة إلى معجزات كبرى لنستمر، بل إلى أسباب صغيرة تُبقي للحياة معناها: رائحة خبز طازج، صباح بلا خوف. هذا المعنى البسيط أدركته روزا لوكسمبورغ، المفكرة اليسارية والمناضلة الثورية الألمانية، وأحد أبرز العقول النقدية في الفكر السياسي الأوروبي مطلع القرن العشرين، التي دفعت حياتها ثمناً لأفكارها. من زنزانة السجن، كتبت في رسالة حميمة أن رؤيتها للعشب وهو ينمو قرب جدار الزنزانة كانت كافية لتذكيرها بأن الحياة، مهما اشتد القمع، لا تزال قادرة على الاستمرار.)
وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال الانتصار.