د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات 47) تقديره وبنينا السماء بنيناها بقوة عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة أي خلقناها ورفعناها على حسن نظامها “وإنا لموسعون” أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها عن ابن عباس وقيل معناه وإنا لموسعون الرزق على الخلق بالمطر عن الحسن وقيل معناه وإنا لذو سعة لخلقنا أي قادرون على رزقهم لا نعجز عنه فالموسع ذو الوسع والسعة أي الغني والجدة.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات 47) والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنا لذووا سعة في القدرة لا يعجزها شيء، وعلى الثاني: والسماء بنيناها مقارنا بناؤها لنعمة لا تقدر بقدر وإنا لذووا سعة وغنى لا تنفد خزائننا بالإعطاء والرزق نرزق من السماء من نشاء فنوسع الرزق كيف نشاء. ومن المحتمل أن يكون “موسعون” من أوسع في النفقة أي كثرها فيكون المراد توسعة خلق السماء كما تميل إليه الأبحاث الرياضية اليوم.
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات 47) قال بعض المفسرين: المراد بموسعين ان اللَّه يوسع الرزق على خلقه بالمطر. والمعنى الذي يتفق مع الواقع ومدلول الآية معا أن يكون المراد بالسماء هنا المعنى الظاهر من كلمة السماء وهو الفضاء الواسع الرحب بما فيه من النجوم وغيرها. والمراد بموسعين ان اللَّه سبحانه يزيد الفضاء اتساعا باستمرار وعلى مدى الأيام، قال أهل الاختصاص: ان الفضاء يتمدد بين المجرات باستمرار، وان حجم الفضاء العالمي الآن يبلغ نحو عشرة أضعاف حجمه منذ بداية تمدده. ويقول (سير جينز): يبلغ متوسط البعد بين المجرات بعضها مع بعض نحو مليون ونصف من السنين الضوئية مع العلم ان الضوء يقطع 6 ملايين مليون من الأميال في سنة واحدة. ويقول (كامو): انه قد علم بواسطة المراصد الكبرى ان بين النجوم مسافات سحيقة تقدر بنحو خمسمائة مليون سنة ضوئية، وانه قد أحصى من المجرات نحو مائة مليون مجرة، وانه يحتمل وجود مجرات أخرى على مسافات أبعد. (التكامل في الإسلام لأحمد أمين العراقي ج 3 ص 67 طبعة أولى). ونحن لا نتحمس لتطبيق القرآن على العلم الحديث للمحاذير التي ذكرناها. ولكن لا نجد مفرا من القول: ان هذه الآية الكريمة أصدق شاهد على ان معجزة محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه واله وسلم هي المعجزة الأبدية الوحيدة من بين معاجز الأنبياء أجمعين، وانها تزداد رسوخا ووضوحا كلما تقدم العلم خطوة إلى الإمام.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات 47) (الأيد) على وزن الصيد، معناه القدرة والقوّة ـ وقد تكرّر هذا المعنى في آيات القرآن المجيد، وهو هنا بمعنى قدرة الله المطلقة العظيمة في خلق السماوات. ودلائل هذه القدرة العظيمة واضحة جليّة في عظمة السماوات ونظامها الخاصّ الحاكم عليها أيضاً. وهناك كلام بين المفسّرين في المراد من “وإنّا لموسعون”: فقال بعضهم معناه توسعة الرزق من قِبَلِ الله على العباد بواسطة نزول الغيث، وقال بعضهم معناه توسعة الرزق من جميع الجهات، وقال بعضهم معناه غنى الله وعدم حاجته، لأنّ خزائنه من السعة بحيث لا تنفذ ولا تنقص مهما كان عطاؤه. إلاّ أنّه مع ملاحظة موضوع خلق السماء في الجملة السابقة ومع الأخذ بنظر الإعتبار ما إكتشفه العلماء من اتّساع العالم عن طريق المشاهدات الحسّية المؤيّدة، يمكن الوقوف على معنى أكثر لطافةً لهذه الآية، وهو أنّ الله خلق السماوات ويوسعها دائماً. والعلم الحديث المعاصر يقول ليست الكرة الأرضية وحدها تتضخّم وتثقل على أثر جذب المواد السماوية تدريجاً، بل السماء أيضاً في اتّساع دائم، أي أنّ بعض النجوم المستقرّة في المجرّات تبتعد عن مركز مجرّاتها بسرعة هائلة حتّى أنّ هذه السرعة لها أثرها في الإتّساع في كثير من المواقع. ونقرأ في كتاب (حدود النجوم) بقلم الكاتب (فِرد هويل): أنّ أقصى سرعة لإبتعاد النجوم عن مركزها حتّى الآن 66 ألف كيلومتر في الثانية، والمجرّات التي هي أبعد منها في نظرنا ومض نورها قليل جدّاً حتّى أنّه من الصعب تحديد سرعتها، والصور الملتقطة من السماء تدلّ على أهميّة هذا الكشف وأنّ الفاصلة ما بين هذه المجرّات تتّسع أكثر من المجرّات القريبة منّا بسرعة. ثمّ يتحدّث المؤلّف عن سرعة هذه المجرّات (السنبلة و الأكليل والشجاع وغيرها) فيبيّن سرعتها العجيبة المذهلة في هذا الكتاب. ولنصغ إلى بعض العبارات للاُستاذ (جان الدر) إذ يقول: (إنّ أحدث وأدقّ تقدير طول الأمواج التي تبثّها النجوم يكشف الستار عن وجه حقيقة عجيبة ومحيّرة أي أنّها تكشف لنا أنّ مجموع النجوم التي يحويها العالم تبتعد عن مركزها بسرعة دائماً وكلّما كانت الفاصلة بينها وبين مركزها إزدادت سرعتها. فكأنّ جميع النجوم كانت مجتمعة في هذا المركز ثمّ تفرّقت عنه مجاميع كبيرة من النجوم واتّجه كلّ منها إلى اتّجاه خاصّ). ويستنتج العلماء من ذلك أنّ العالم كانت له نقطة بداية وشروع.
وتأتي كلمة أفلم للاستفهام حول النظر الى خلق السماوات والأرض”افَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ” (ق 6). و جاء للاجابة حول هذا المفهوم في الايات القرآنية “أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (الاعراف 185)، و”لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (البقرة 284) (ال عمران 109) (ال عمران 129) (النساء 126) (الحشر 1) (الصف 1) (النجم 31) (الجمعة 1).
جاء في التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوي: قوله تعالى “أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ” ﴿ق 6﴾ والاستفهام للإنكار والتعجيب من جهلهم، والهمزة متعلقة بمحذوف، والفاء عاطفة عليه أى: أأعرضوا عن آيات الله في هذا الكون، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم. كيف بنيناها هذا البناء العجيب، بأن رفعناها بدون عمد، وزيناها بالكواكب، وحفظناها من أى تصدع أو تشقق أو تفتق. فقوله: فُرُوجٍ جمع فرج، وهو الشق بين الشيئين. والمراد سلامتها من كل عيب وخلل. ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله تعالى: “الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ” (الملك 34) قوله سبحانه “وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ” (الانبياء 32) أى: وجعلنا السماء سقفا للأرض كما يكون السقف للبيت، وجعلناه محفوظا من السقوط ومن التشقق، ومن كل شيطان رجيم. وهم أى المشركون عن آياتها الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلمنا. معرضون ذاهلون، لا يتعظون ولا يتذكرون. ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من السقوط، قوله تعالى: “وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ” (الحج 65). ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله سبحانه: “أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ” (ق 6). وعلى حفظها من الشياطين قوله تعالى: “وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ” (الحجر 17).
يقول الشيخ جلال الدين الصغير: وآيات العقائد إن كانت كونية إلا انها على الرغم من كونها خاصة بموضوعات الهداية،غير إن لها جانباً آخر في كونه يقرر حقائق علمية ترتبط بعضها بالعلوم الطبيعية كالفلك كتعرضه لقانون التوسع الكوني وفق ما عبّرت عنه الآية الكريمة “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات 47)