البعد الأخر لتحليل الإصرار السياسي والعقبات التاريخية في تقارب المالكي والصدر !

صباح البغدادي

يُعد هذا الموجز الذي نحاول ان نقدمه حول بعض خفايا وأسرار ولتحليلاً دقيقاً وموضوعياً للديناميكيات السياسية داخل البيت الشيعي العراقي، حيث يبرز بشكل بارع العقبات النفسية والتاريخية التي تحول دون أي تقارب حقيقي بين نوري المالكي ومقتدى الصدر. يعتمد على أدلة ملموسة مثل الخلافات التاريخية (صولة الفرسان) والتسجيلات الصوتية، مما يجعله تحليلاً واقعياً يتجاوز السطحية. ومع ذلك، يمكن لنا تعزيزه بإضافة أبعاد استراتيجية أوسع، مثل تأثير الضغوط الخارجية (الأمريكية والإيرانية) على هذه الديناميكيات. ولي يعتمد على لغة تحليلية موضوعية، مع دمج نظرة استراتيجية استباقية تتنبأ بالتطورات المحتملة بناءً على الاتجاهات الحالية. وفي سياق الديناميكيات الداخلية للتحالف الشيعي العراقي، يبرز إصرار نوري المالكي على خوض المعركة حتى نهايتها للحصول على الولاية الثالثة لرئاسة الوزراء كعنصر مركزي مهم وحيوي في التركيبة النفسية ، رغم الاختلافات الظاهرة داخل الإطار التنسيقي بشأن دعم أو معارضة هذا الترشيح. وعند استطلاع آراء المقربين من “مطبخ” الإطار التنسيقي، يأتي الرد فورياً وبدون تردد: “لا يوجد شيء لديه ليخسره”، إذ سيظل المالكي زعيماً لائتلاف دولة القانون حتى لو فشل في الفوز بالولاية الثالثة، مما يعكس استراتيجية سياسية مبنية على الثبات والتحدي.بالتوازي، تظهر محاولات بعض قادة الإطار لتقريب وجهات النظر بين المالكي ومقتدى الصدر كمحاولة للوصول إلى نقطة التقاء في منتصف الطريق ، حيث ما يزال يأمل المالكي في استغلال الدعم الجماهيري المليوني للتيار الوطني الشيعي لتعزيز موقفه. ومع ذلك، يحتفظ الصدر بموقفه الثابت، مدعوماً بغصة تاريخية عميقة نابعة من عملية “صولة الفرسان” التي شنها المالكي ضد جيش المهدي، بالإضافة إلى البصمات الصوتية الموثقة التي تكشف عن هجمات لفظية حادة من المالكي تجاه الصدر، كما ظهرت في الكثير من مقابلاته الصحفية السابقة على قنوات إخبارية عراقية خلال فترتي رئاسته (2006-2014). رغم التغيير الجذري في لهجة المالكي مؤخراً، الذي انتقل من الانتقاد اللاذع إلى عبارات الإعجاب والإطراء والدعوة الصريحة والعلنية للمشاركة الصدرية بالحكومة القادمة التي سوف يشكلها في حال فوزه بالولاية الثالثة وعلى الرغم من عدم وجود أي نائب برلماني لهم ، ولكن ما تزال وتبقى هذه المجاملات غير مؤثرة في نفوس أنصار التيار الصدري، الذين يرون فيها محاولة تكتيكية لإرضاء الصدر وجر قاعدته الجماهيرية إلى جانبه. ويظل الرفض القاطع سائداً في العقل الجمعي للتيار، حيث تُعتبر الخلافات الماضية – سواء التاريخية أو اللفظية – عقبة رئيسية تحول دون أي تقارب حقيقي، رغم الجهود المستمرة لتقريب وجهات النظر في منتصف الطريق.والتداعيات المحتملة والسيناريوهات المستقبلية من منظور استراتيجي استباقي، يمكن التنبؤ بأن إصرار المالكي على الاستمرار في الترشيح سيؤدي إلى تعزيز الانقسامات داخل الإطار التنسيقي، خاصة إذا استمرت الضغوط الخارجية من الولايات المتحدة (مثل تهديدات ترامب بقطع الدعم) والداخلية من قوى معارضة مثل حزب تقدم (محمد الحلبوسي) والكتل الكردية. في سيناريو أولي مع زعيم تيار الحكمة ، قد يؤدي رفض الصدر المستمر إلى إجبار الإطار على البحث عن مرشح بديل، مما يعزز من فرص تشكيل حكومة متوازنة أكثر، ويقلل من خطر التصعيد الطائفي. ومع ذلك، في سيناريو ثانٍ أقل احتمالاً، قد ينجح الضغط الداخلي في إقناع الصدر بتقارب محدود، لكنه سيكون هشاً ومعرضاً للانهيار سريعاً بسبب الجروح التاريخية غير الملتئمة، مما قد يؤدي إلى أزمة سياسية مطولة أو احتجاجات شعبية.على المدى الطويل، قد يعزز هذا الوضع من استقلالية التيار الصدري كقطب سياسي مستقل، مما يعيد رسم خريطة التحالفات الشيعية ويفتح الباب لشراكات جديدة مع الكتل السنية والكردية. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في الحفاظ على الاستقرار الوطني، حيث قد تؤدي الأيام القادمة إلى كشف مزيد من التناقضات، مما يتطلب حكمة سياسية لتجنب تكرار أخطاء الماضي وتعزيز الوحدة الوطنية بدلاً من الصراعات الشخصية.

وختامًا، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جميع من تواصلوا معنا، ولا يزالون، لإبداء آرائهم وتعقيباتهم وملاحظاتهم بشأن مختلف القضايا التي تناولنا فيها الشأن العراقي. كما يطيب لنا، في هذا السياق، أن نعرب عن شكرنا الخاص لسعادة النائب، مع تهنئته بفوزه بالمقعد الانتخابي في الدورة الحالية، لتفضله مشكورًا بتخصيص جزء من وقته للإيضاح والتعقيب والتصويب. وقد أسهمت دون شك مداخلاته هذه إسهامًا فاعلًا في تقديم صورة أكثر دقة وموضوعية لملف الولاية الثالثة وتداعياتها، وهي جوانب مهمة ما تزال لم تحظَ بالتناول الكافي في وسائل الإعلام . ونأمل أن تتواصل مثل هذه الحوارات مستقبلاً بما يعزز النقاش البنّاء والهادف، وبما يخدم الصالح العام، في حدود ما يسمح به الوقت لسيادة النائب .

ولا بد إن نوضح بصورة اكثر ونضع الرأي العام أمام حقيقة نؤكدها بوضوح لا لبس فيه: إن قلمنا لم يكن يومًا، ولن يكون، أداة بيد قادة أحزاب أو مسؤولين في السلطة، ولم يخضع لأي شكل من أشكال الشراء أو المساومة السياسية. ونفخر بانتمائنا المطلق للعراق الواحد الموحّد ، والذي لا نقبل له شريكًا في القرار ولا وصاية على إرادته. وكما وقفنا قبل الغزو والاحتلال عام 2003 مع العراق أولًا، ومنحين خلافاتنا السياسية مع حكومة الرئيس الراحل صدام حسين من منطلق وطني مبدئي ، فإننا نقف اليوم الموقف ذاته، مع العراق فقط لا غير ، لا مع قادة أحزاب ولا مع سلطات ولا مع اصطفافات ضيقة. ومن هذا الموقع، نوجّه رسالة مباشرة إلى من يتصدرون المشهد السياسي: إن تغليب المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة الوطنية لن يقود إلا إلى مزيد من الإخفاق، فيما يبقى إنقاذ العراق مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل ولا التنازل.