بنية الأسرة المعاصرة (قراءة في أدوار الأمومة تحت ضغط التحولات القيمية)

​بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
​تظل قضية الأمومة هي النواة الصلبة التي يتشكل حولها وجدان المجتمع، إلا أن هذه النواة تعيش اليوم مخاضاً عسيراً تحت وطأة ما يسمى بـ (بنية الأسرة المعاصرة) إننا حين نتأمل في أدوار الأمومة اليوم، نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية واجتماعية تستحق الوقوف عندها طويلاً؛ فبالرغم من اتساع رقعة الحداثة، وامتلاك الأم المعاصرة لأدوات المعرفة والوعي الثقافي، إلا أن مخرجات التنشئة باتت تواجه تحديات وجودية لم تكن معهودة في زمن مضى.
​لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، لوجدنا نموذج (الأم التقليدية) التي ربما لم تكن تفك الخط أو تمسك القلم، ولم تقرأ يوماً كتاباً في علم النفس التربوي.
كانت تلك الأم تعتمد على فطرة نقية، وقيم مستمدة من عمق الموروث الأخلاقي والديني. ومع ذلك، استطاعت تلك الأم –بصبرها وحكمتها البسيطة– أن تخرج للمجتمع جيلاً من العمالقة؛ فمن رحم تلك (المرأة الأمية ) خرج الطبيب الماهر، والضابط المنضبط، والمهندس المبدع، والأستاذ الفاضل وغيرهم . لقد كانت تدير مملكتها بذكاء عاطفي فطري، وتزرع في نفوس أبنائها (هيبة القيم) قبل (رفاهية العيش) ، فكانت كلمتها ترسم مسار حياة كامل، وكان حضورها يمثل بوصلة لا تحيد عن الحق والالتزام.
​أما اليوم، وفي ظل التحولات القيمية المتسارعة التي فرضتها الحداثة، نجد أنفسنا أمام مشهد مغاير تماماً. لقد أصبحت الأم المعاصرة أكثر ثقافة، وأعلى تعليماً، وأشد اطلاعاً على أحدث نظريات التربية، لكنها في الوقت ذاته تعاني معاناة مريرة في إيصال أبنائها إلى بر الأمان الفكري والسلوكي. وهنا تكمن العقدة؛ فالحداثة التي منحت الأم (العلم) قد سلبت من الأسرة (الخصوصية) و(السكينة) . لقد دخل (المربي الافتراضي) متمثلاً في شاشات الهواتف والذكاء الاصطناعي ليزاحم الأم في دورها السيادي، فأصبح الابن يستقي قيمته من عوالم موازية لا تسيطر عليها الأم مهما بلغت درجة ثقافتها.
​إن الضغط الذي تمارسه التحولات الحالية على دور الأمومة جعل منها (دوراً إدارياً) أكثر منه (دوراً وجدانيًا) . فالأم المعاصرة تجد نفسها محاصرة بين متطلبات العمل، وملاحقة التطور التكنولوجي، والرغبة في توفير الرفاهية المادية، مما أدى إلى نوع من (الاغتراب الوالدي) وعلى الرغم من كثرة المعارف التي تمتلكها، إلا أن هناك فجوة قيمية تصعب ردمها؛ فالأبناء اليوم ينتمون لثقافة (الاستهلاك السريع) و(الفردانية المطلقة) ، وهي قيم تتصادم مع التنشئة الرصينة التي تسعى الأم جاهدة لغرسها.
​وفي هذا السياق، تبرز إشكالية (القدوة) ؛ ففي السابق كانت الأم هي المرجع الوحيد والنهائي، أما الآن فقد تشتتت المرجعيات. ورغم أن الأم المعاصرة قد تكون (بروفيسور) في جامعتها، إلا أنها قد تجد صعوبة في إقناع طفلها بفكرة أخلاقية بسيطة أمام طوفان (المؤثرين) في الفضاء الرقمي. هذا لا يعني قصوراً في الأم كذات واعية، بل هو انعكاس لبنية أسرية تعرضت للتشظي، حيث فقدت الأسرة دورها كحضن مغلق لتصبح مكاناً مفتوحاً لكل التيارات الوافدة.
​إن التحليل العميق لهذه الظاهرة يقودنا إلى نتيجة مفادها أن العلم والثقافة وحدهما لا يصنعان جيلاً، بل هي (الروح التربوية) والقدرة على ضبط التوازن بين الأصالة والمعاصرة. إن الأمومة في ظل الحداثة لم تعد مجرد رعاية، بل أصبحت (مقاومة) مقاومة لكل ما يحاول اختطاف الأبناء من حضن القيم الراسخة. ولعل استحضار تجربة “الأم الأولى” التي أنتجت قادة المجتمع بكلمات بسيطة وفطرة سليمة، هو الدرس الذي نحتاجه اليوم لترميم ما أفسدته ضغوط الحداثة، مع التأكيد على أن ثقافة الأم الحالية هي سلاح ذو حدين، لا بد من تطويعه لخدمة التنشئة لا للانغماس في شكليات التحول الاجتماعي.