بقلم: حسين شكران العقيلي – كاتب ومؤلف
يقول الإمام علي (عليه السلام): «إن الفقر مذلة للنفس، مدهشة للعقل، جالب للهموم»، ميزان الحكمة ، للريشهري، ج ٣ ص ٢٤٤١، وهو من النصوص التي تكشف بعمق عن رؤية الإمام العلوية للفقر باعتباره ليس مجرد حالة اقتصادية، بل أزمة إنسانية شاملة تمس جوهر الكرامة والعقل والوجدان. هذه الكلمات الموجزة تحمل دلالات واسعة، فهي تصف الفقر كقوة قاهرة تضعف النفس، وتربك التفكير، وتثقل الإنسان بالهموم، حتى يصبح وجوده مهدداً في أبعاده الروحية والعقلية والاجتماعية.
إن الفقر في هذا التصور ليس مجرد نقص في المال، بل هو انكسار في الكرامة، وانحراف في مسار العقل، وتراكم للهموم التي تضعف قدرة الإنسان على الإبداع والمشاركة الفاعلة في المجتمع. الإمام علي (عليه السلام) يضعنا أمام حقيقة أن الفقر يقتل الإنسان معنوياً قبل أن يقتله جسدياً، فهو يذل النفس حين يجعلها عاجزة عن تحقيق أبسط حاجاتها، ويُدهش العقل حين يربكه في التفكير ويشغله بالبحث عن لقمة العيش بدل الانشغال بالعلم والمعرفة، ويجلب الهموم حين يحاصر الإنسان في دائرة القلق والخوف من الغد.
وإذا ما قارنا هذه الرؤية العلوية بما يعيشه مجتمعنا اليوم، نجد أن كلمات الإمام علي (عليه السلام) تكاد تكون وصفاً دقيقاً للواقع المعاصر. فالمجتمع يعاني من رواتب قليلة لا تكفي لسد الحاجات الأساسية، وسط غلاء فاحش يلتهم كل ما في الجيوب، بينما السياسيون يتنعمون بالخيرات، غير مبالين بما يعانيه الناس من ضيق العيش وانكسار الكرامة. إن الفقر اليوم لم يعد مجرد حالة فردية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تهدد الاستقرار وتضعف الروابط الإنسانية، وتخلق فجوة هائلة بين الطبقات، حيث يعيش البعض في ترف مبالغ فيه، فيما الأغلبية تكابد من أجل البقاء.
إن هذه المقارنة تكشف لنا أن الفقر ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لسياسات غير عادلة، وغياب للضمير الاجتماعي، وانفصال بين السلطة والشعب. الإمام علي (عليه السلام) حين وصف الفقر بهذه الصفات، كان يوجه رسالة إلى المجتمع والسلطة معاً: أن مسؤولية مواجهة الفقر لا تقع على الفرد وحده، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب عدالة في توزيع الثروات، ورعاية للضعفاء، وإعلاء لقيمة الإنسان فوق كل اعتبار.
اليوم، ونحن نرى الموظف البسيط يكدح برواتب لا تكفي أسبوعاً واحداً، فيما الأسعار ترتفع بلا رقيب، ندرك أن الفقر قد تحول فعلاً إلى مذلة للنفس، وأن العقول المبدعة تُدهش وتُربك لأنها مشغولة بتأمين أساسيات الحياة، وأن الهموم قد أصبحت جزءاً من يوميات الناس. في المقابل، يعيش السياسيون في عالم آخر، متنعمين بالخيرات، غير مبالين بما يعانيه المجتمع من أزمات، وكأنهم في قطيعة تامة مع الواقع الذي وصفه الإمام علي (عليه السلام) قبل قرون.
إن استحضار هذه الحكمة العلوية اليوم ليس مجرد تذكير بقول تاريخي، بل هو دعوة لإعادة النظر في بنية المجتمع، وفي مسؤولية السلطة تجاه الناس، وفي ضرورة أن تكون الكرامة الإنسانية هي الأساس في أي مشروع سياسي أو اقتصادي. فالفقر ليس مجرد أرقام في ميزانية، بل هو جرح في النفس، وارتباك في العقل، وهمّ يثقل كاهل المجتمع بأسره.
وبهذا، فإن مقولة الإمام علي (عليه السلام) تظل حية وفاعلة، لأنها تكشف عن جوهر الأزمة الإنسانية التي يعاني منها مجتمعنا اليوم، وتضع أمامنا معياراً أخلاقياً واجتماعياً لا يمكن تجاوزه: أن مواجهة الفقر هي مواجهة من أجل الكرامة والعقل والإنسانية، وأن أي سلطة تتجاهل هذه الحقيقة إنما تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد ثقة الناس بها.