الكورد الشعب المستضعف في الأرض

الكورد الشعب المستضعف في الأرض .
كامل سلمان
مفردة الاستضعاف تطلق على الفرد وعلى الجماعة ، وغالباً ما تستخدم هذه المفردة لمن يعاني الاضطهاد الفردي أو الجمعي وليس بيده حيلة للنجاة من الاضطهاد والظلم كما ذكر ذلك القرآن الكريم مع بني إسرائيل بعدة مناسبات في آيات قرآنية واضحة بإنهم المستضعفون في الأرض المعذبون على يد السلطة الظالمة للملك الفرعوني رمسيس الثاني قبل الاف السنين . لكن الشيء الغريب الذي بجذب الانتباه أن جميع الشعوب والأمم التي عانت الاستضعاف ووقع عليها الحيف والظلم في كل الأزمنة تكون نهايتها أن تستخلف الأرض وتمسك زمام القيادة وتفرض سيادتها على من كان يستضعفها ولنا تجارب كثيرة في التأريخ وكانت أخرها الشعب السوري الذي تنطبق عليه مفردة الشعب المستضعف أطاح بالطاغية بشار الأسد بشكل لا يصدق وقبلهم الشيعة في وسط وجنوب العراق الذين كانوا مستضعفين في العراق استخلفوا نظام البعث بعدما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإسقاط هذا النظام الظالم ، فأي شعب أو أمة تنطبق عليها شروط الاستضعاف في الأرض بالنهاية ستكون الأمور تحت ارادتها بشكل من الأشكال ، هذا الكلام له شواهد تأريخية كثيرة وهي تكاد تكون من قوانين الحياة الطبيعية ، وهذه الشواهد تتوافق مع الطرح القرآني الذي يعتبر ذلك جزءاً من سنن الحياة رسمها الله تعالى لعباده المظلومين ، وكما جاء في الأية الكريمة ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) بمعنى هو وعد إلهي لمن يعاني الاستضعاف أن تتحول السيادة له ولو بعد حين ، إذاً هي من سنن الحياة وقوانين الرب ، بمعنى أن الرب وأقصد الذين يؤمنون بالرب ونظام الحياة الدنيا لمن لا يؤمنون بوجود الرب متفقان على أن أية أمة مستضعفة لابد أن تتسيد الأرض في نهاية المطاف بل و تتسيد على من اضطهدها .. السؤال هنا هل الأمة الكوردية ينطبق عليها شروط الاستضعاف لكي تتأمل يوماً أن تفرض سيادتها في الأرض وتفرض سيادتها على من اضطهدها وظلمها ؟ قد يتصور البعض بأن واقع الكورد كما هو واضح أمامهم لا تنطبق عليهم صفة الاستضعاف ، ربما الاستضعاف حدث لهم في مرحلة تأريخية وأنتهت . للتذكير جميع الكورد وفي جميع اجزاء كوردستان وخارجها وقع عليهم الظلم والإضطهاد بشكل لا يمكن نسيانه أبداً ، بدءا بالكورد الفيلية الذين تم قتل أبناءهم وتهجير نساءهم وإباءهم وسلب أموالهم بطريقة بشعة تركت أثارها النفسية والبدنيّة لحد يومنا هذا على الكورد الفيلية ولحد الآن أكثر من عشرين الف مغدور فيلي لم تعرف قبورهم ، الكورد في تركيا تعرضوا للإبادة والقتل والحرمان من أبسط حقوق الحياة ، الكورد في سوريا لاقوا الأمرين من الظلم والقتل ، الكورد في إقليم كوردستان العراق عانوا من الاستضعاف بشكل مأساوي فقد تعرضوا لهجمات السلاح الكيميائي والإبادة الجماعية وهنا سأذكر قصة مؤلمة جداً تبين للتأريخ وللعالم معنى الاستضعاف الذي حصل للشعب الكوردي في زمن صدام حسين ، أنا على يقين بأن معظم ابناء الشعب العراقي سواء أكانوا عرباً أو كورداً لم يسمعوا ولم يطلعوا على هذه الحقيقة . كانت القرى الكوردية التي فيها مقاومة لنظام صدام ( هذا الكلام يشمل عمليات الأنفال 1988 م وما سبقتها ) يتم قتل أهلها أو أخذهم إلى مناطق في جنوب العراق وبالتحديد في صحراء السماوة لدفنهم وهم أحياء أما الأطفال دون سن الثامنة وبالأخص الفتيات يأخذونهم كالأغنام في سيارات مكشوفة إلى بغداد وباقي المحافظات ويعرضونهم للبيع أو التبني وكانت المناطق التي يعرض فيها الأطفال للبيع في بغداد العاصمة تحديداً هي المناطق التي يقطنها الغالبية الكوردية الفيلية بشكل متعمد مثل مناطق الكفاح وباب الشيخ والسنك والمربعة في بغداد . أنا لم أشاهد بيع الأطفال الكورد بعيني لكن من نقل لي ذلك أكثر من شخص قريب وذكروا لي بالأسماء بعض من تبنوا الأطفال الكورد الذين تم عرضهم للبيع ، أما ما شاهدته بعيني هو في العام 1999 م كنت حينها صاحب محل لبيع البراغي والصامولات والعدد اليدوية بسوق الجملة في منطقة المربعة في بغداد وهذه المنطقة هي مركز التسوق بالجملة للبراغي والصامولات والعدد اليدوية لجميع المحافظات العراقية ، ففي أحدى الأمسيات إضطررت للتأخر والبقاء بالمحل بسبب كثرة العمل وكان يجالسني في المحل يومها أحد كبار السن من سكنة السنك والمربعة ، كان شخصاً وقوراً لطيفاً ورائعاً فمررت بالصدفة من أمام المحل فتاتين شابتين جميلتين بشكل ملفت للنظر فقمن بالتحية والسلام على الشخص الجالس معي ( اشلونك عمو باللهجة العراقية ) فقام بالرد عليهن بالأسم وكان يعرفهن ، سألته من هاتين الشابتين ؟ فقال إنهن بنات السيدة فلانة ؟ فقلت لا أعلم بأن لها بنات ، فقال بالحقيقة لسن بناتها من صلبها ولكن هذه السيدة تبنت ثلاثة أطفال أناث من الكورد اللواتي تم عرضهن للبيع والتبني قبل أكثر من عشرة سنوات أي بعد عمليات الأنفال ، عرضوهن للتبني في منطقة المربعة بأسعار رمزية فأخذت هذه السيدة المحترمة البنات الثلاثة وهن شقيقات من عائلة واحدة جلبوهن للبيع وقامت بتربيتهن أحسن تربية لكن للأسف أحداهن توفيت بالزائدة الدودية قبل عامين ولم يستطيعوا إسعافها وتم دفنها في مقبرة باب الشيخ القريبة من منطقة المربعة ثم أخذ يروي لي هذا المسن تفاصيل بيع الأطفال الكورد بنفس الصيغة التي سمعتها من قبل ، كان هذا الرجل المسن يستذكر تلك الأحداث ويرويها بكل ألم ودموع منهمرة … يا سادة يا كرام هذا هو الاستضعاف أن تذبح شعباً وتدفنه حياً وتبيع أطفاله في الأسواق ، أن تقوم بتجويع شعباً وتقطع رواتب موظفيه بلا سبب ولا عذر ولا جناية ، أن تسبى نساء أمة مسالمة فقط لأنهم كورد وتباع النساء في سوق النخاسة وسوق النذالة ، هذا ما حدث للكورد ، فعندما نقرأ في القرآن بأن فرعون يقتل الأبناء ويستحيي النساء هذا ما فعله صدام حسين مع الكورد وفعلته الدواعش مع الكورد وفعله بشار الاسد وغيرهم وكانوا يبدعون في فعلتهم ، بناءاً على ذلك فأن الشعب الكوردي شعب تنطبق عليه شروط الاستضعاف الحقيقية بكل ثقلها دينياً ودنيوياً وإنسانياً ، فمهما طال الزمن سترث هذه الأمة الأرض كأي أمة عانت الاستضعاف فانتصرت في نهاية الأمر ، هذا هو قانون الطبيعة وسنن الحياة وسنن الله ولست ممن أبتدعها ، أرجو أن لا يظن البعض بأن هذه مجرد أمنيات ، فأنا عندما تعرفت على بعض أبناء شعب البوسنة والهرسك وكيف أصبحت لهم السيادة في أرضهم ومعهم يعيش الأن تحت سلطتهم جزء من الشعب الصربي الذين كانوا في يوم من الأيام يضطهدون البوسنيين وكذلك عندما عرفت بعض الشعوب التي انقلبت بقدرة إعجازية على من اضطهدها وصار لها سيادة الأرض علمت بأن هذه سنن الحياة لايصح تجاهلها وليست أمنيات لكن متى وأين وكيف سيحدث الاستخلاف بالنسبة للكورد ؟ هذه الأسئلة سيكون الزمان كفيلاً في الإجابة عليها .