مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في وعي الموت وغفلتنا عنه

رياض سعد

كما عوّدناكم ضمن سلسلة «مقولة وتعليق»، نتناول مقولةً أو بيتًا شعريًا بالشرح والتحليل والتعليق، في محاولةٍ لالتقاط ما وراء الكلمات من دلالاتٍ نفسية واجتماعية وسياسية، وربطها بتجربة الإنسان وواقعه… ؛  وفي هذا السياق، نعرّج اليوم على واحدٍ من الأبيات الخالدة للشاعر الأموي الكبير جرير بن عطية بن حذيفة الخَطَفي (33هـ/653م – 110هـ/728م)، أحد أعلام شعر النقائض، حين أنشد قائلًا:

تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقبِلاتٍ *** فَنَلهو حينَ تَذهَبُ مُدبِراتِ

بيتٌ قصير، لكنه يفتح بوابةً واسعة على سؤال الوجود الأكبر: كيف نرى الموت؟ وكيف نتأثر به؟ ولماذا نرتعد عند حضوره، ثم نعود إلى لهونا عند انصرافه؟

وقد ذهب غير واحدٍ من الشعراء إلى إعادة صياغة هذا المعنى، فقال بعضهم:

تروعني الجنائز كل يوم *** ويحزنني بكاء النائحات

ونسج آخر على المنوال نفسه:

تروعني الجنائز في كل وقت *** ويحزنني بكاء النائحات

وهذه الصيغ، على اختلافها، تنقلنا جميعًا إلى الحقيقة الوجودية التي نهرب منها أو نتغافل عنها، ونعمل جاهدين على نسيانها وعدم الاكتراث بها، ألا وهي حقيقة الموت والفناء… ؛  من هنا تستدعي الذاكرة قول حكيم العراق الإمام علي بن أبي طالب :

«ما خلق الله يقينًا لا شك فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقين فيه من الموت».

مقولةٌ تكشف التناقض العجيب في حال الإنسان؛ فالموت يقينٌ لا ريب فيه، لكن شدة الغفلة عنه، وعدم الاستعداد له، تجعل هذا اليقين في سلوكنا اليومي كأنه شكّ… ؛  ويعزز الإمام علي هذا المعنى بقوله:

«عجبتُ لمن نسي الموت وهو يرى الموتى».

جرير، في بيته، لا يصف حالةً فردية بقدر ما يشخّص ظاهرةً إنسانية عامة: نحن نضطرب حين تمرّ الجنائز أمام ناظرنا، ونحزن ونقلق، ولا سيما إذا كانت تحمل رفات قريبٍ أو صديقٍ أو حبيب… ؛  غير أننا، ما إن تمضي الجنائز إلى المقابر، حتى نعود إلى اللهو وكأن شيئًا لم يكن… ؛  هنا لا يدين الشاعر بقدر ما يتعجب؛ فالإنسان مجبولٌ على النسيان، ولولا نسيان فقد الأحبة لما استطاع مواصلة العيش… ؛  النسيان، بهذا المعنى، آلية دفاع نفسي، لكنه في الوقت نفسه بابٌ واسع للغفلة.

أما الشاعر الآخر الذي أضاف عنصر بكاء النائحات، فقد التفت إلى بعدٍ أكثر إيلامًا: ليس منظر الجنازة وحده ما يوجع، بل أصوات الأمهات والزوجات والأخوات والبنات الثكالى… ؛  إنّه الحزن حين يتحول من صورةٍ صامتة إلى صوتٍ مكسور، ومن مشهدٍ عابر إلى جرحٍ مفتوح.

والشيء بالشيء يُذكر؛ فقد كان معدل الموت في العراق، يومًا ما، طبيعيًا أو قريبًا من معدلات دول الجوار، إلى أن جاءت عهود العنف المنظّم، من الانقلابات القومية الدموية – عهد المجرم عبد السلام عارف – ، مرورًا بجرائم ومجازر الحرس القومي، وصولًا إلى حقبة البعث الاجرامية ؛ ولا سيما عهد السفاح  صدام… ؛  حيث ارتفعت معدلات الموت إلى مستوياتٍ لم يعرفها العراقيون من قبل… ؛  آنذاك، صار مشهد الجنائز وهي تجوب الشوارع والمدن والقرى مشهدًا مألوفًا، وتحوّل الموت من استثناءٍ إلى روتين، ومن قدرٍ فردي إلى سياسةٍ عامة ؛ فالجميع محكوم عليهم بالموت وحسب السياق …!!

 مئات الآلاف قُتلوا صبرًا وتعذيبًا وغيلةً وغدرًا، ودُفنوا سرًا في مقابر جماعية، وكأن الأرض نفسها أُجبرت على الصمت.

وأذكر، وقد سمعتُ بأذني، أحد كبار السن يردد هذا البيت الشعري الفصيح  – القريض – ؛  ممزوجًا بأبياتٍ من الشعر الشعبي، حين مرّت جنازة شابٍ في مقتبل العمر، قُتل في الحرب العراقية الإيرانية:

تروعني الجنائز كل يوم *** ويحزنني بكاء النائحات

الدهر يكلب مع الطيبين مرات

وحلوات الليالي تصير مرات

كل ساعة وجنازة عليّ مرات

فلا ظل بشر فوق الوطيّه

وقد غنّى هذا القريض أحد المطربين الشعبيين الريفيين المعروفين آنذاك، ناعيًا قتلى العراقيين، متعجبًا من خلو الأرض من شبابها ورجالها، أولئك الذين سيقوا إلى الموت فرادى وجماعات، في محارق حروب النيابة والوكالة، بينما كانت خيرات العراق تُستنزف، ويتنعم بها المصريون والعرب والهنود والاجانب وقتذاك …!!

وهكذا، بين بيت جرير ومشاهد الجنائز في تاريخنا القريب، يتجلى السؤال ذاته: هل نهاب الموت لأنه يذكّرنا بفنائنا، أم لأننا نراه كثيرًا فنعتاده؟!

 لعل الحقيقة المؤلمة أن كثرة الجنائز لا تُعلّمنا الحكمة بقدر ما تُدرّبنا على النسيان و اللامبالاة … ؛  وهنا تكمن المأساة: أن يتحول الموت، وهو أعظم واعظ، إلى مشهدٍ عابر، وأن نلهو حين يذهب مُدبرًا، كأننا لم نرتعد قبل لحظات من قدومه.