العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي

قراءة تحليلية في مخاطر التدخلات التركية وانعكاساتها على السيادة العراقية

رياض سعد

تشهد الساحة العراقية في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في حدة الخطاب السياسي التركي والتحركات التركية المشبوهة ، مقرونًا بإشارات واضحة إلى نيات تدخلية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية ومبادئ احترام سيادة الدول وحسن الجوار … ؛  ويأتي هذا التصعيد في سياق تصريحات أدلى بها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، تكشف بوضوح عن انتقال أنقرة التدريجي من الملف السوري إلى الملف العراقي، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميين.

فقد أكد فيدان، في مقابلة تلفزيونية، أن تركيا ستتجه بعد “معالجة المسألة السورية” إلى التركيز على العراق، ولا سيما ما يتعلق بوجود حزب العمال الكردستاني… ؛  وأعرب عن أمله في أن تكون الحكومة العراقية “قد تعلمت الدرس من التجربة السورية”، داعيًا إياها إلى “التصرف بحكمة”، ومشددًا على أن الدول ذات السيادة يجب أن تفرض سيطرتها الكاملة على جميع أراضيها.

كما أشار وزير الخارجية التركي إلى أن “وضع منطقة سنجار لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه”، في إشارة تحمل في طياتها تلميحًا واضحًا بإمكانية اتخاذ خطوات أحادية الجانب تحت ذرائع أمنية… ؛  وكشف كذلك عن أن بلاده “تواصلت مع الحشد الشعبي أكثر من عشرين مرة”، مؤكدًا أن أنقرة تتابع ما ستؤول إليه التطورات في المرحلة المقبلة.

هذه التصريحات، في مضمونها وتوقيتها، لا يمكن فصلها عن السجل الطويل للتدخلات التركية في شؤون دول المنطقة، ولا سيما في سوريا وليبيا، حيث اقترن التدخل العسكري المباشر بسياسات التخريب، ونهب الموارد، ودعم الجماعات المسلحة، وبالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية معروفة… ؛  واليوم، يبدو أن العراق بات الهدف التالي ضمن هذا المسار التوسعي، تحت ذرائع باتت مكرورة ومكشوفة، كذريعة “مكافحة الإرهاب” أو “معالجة وضع سنجار”.

إن الادعاءات التركية بشأن حزب العمال الكردستاني لا يمكن أن تبرر، بأي حال من الأحوال؛  انتهاك السيادة العراقية، أو التوغل العسكري داخل أراضيه، أو قصف القرى الآمنة، أو قطع المياه عن شعبه، فضلًا عن احتلال أجزاء من شماله، ونهب ثرواته النفطية، واستغلال العلاقات التجارية التي تدر على أنقرة مليارات الدولارات سنويًا… ؛  ومع ذلك، لم تشبع هذه المكاسب أطماع صانعي القرار في تركيا، الذين يواصلون البحث عن أدوار ونفوذ أوسع على حساب استقرار العراق ووحدته.

وفي هذا السياق، تبرز مخاوف جدية من سعي أنقرة إلى استغلال أي فراغ إقليمي محتمل – كالعدوان على ايران وانحسار دورها  فيما بعد – ، عبر سيناريوهات عدوانية متعددة، من بينها: الدفع باتجاه زعزعة الأمن عبر أدوات محلية وإقليمية، التوسع العسكري المباشر في شمال العراق، العمل على تقويض العملية السياسية والتجربة الديمقراطية، ومحاولة إضعاف تجربة إقليم كردستان، وربط بعض المحافظات الشمالية والغربية بالمجال الحيوي التركي بوسائل مختلفة... الخ .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير المعطيات إلى احتمالية دفع العراق نحو حالة من الاستنزاف الشامل، عبر فتح جبهات داخلية وخارجية متزامنة، وتحريك خلايا نائمة، وعرقلة القرارات السياسية والاقتصادية المصيرية، وتأجيج التوترات الاجتماعية، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من الفوضى الشاملة التي يدفع ثمنها الشعب العراقي وحده.

**المخاوف العراقية: بين الأمن والسيادة

على الجانب العراقي، تثير السياسة التركية عدة مخاوف جوهرية تتعلق بالسيادة والاستقرار الداخلي:

1. الوجود العسكري التركي: هناك حوالي 50 قاعدة عسكرية تركية في شمال العراق تضم قرابة 5 آلاف جندي… ؛  وبينما تبرر أنقرة وجودها بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني، يشير محللون إلى أن هذا الوجود “بات جزءاً من معادلة الردع الإقليمي، ولم يعد مجرد أداة تكتيكية”… ؛ و الأهم، أن الحكومة العراقية تؤكد أن هذا الوجود لم يتم بموافقة رسمية أو اتفاق قانوني ملزم.

2. التدخل في الشؤون الداخلية: تفسر بغداد تصريحات كتلك التي أدلى بها فيدان – مثل أن “الدول ذات السيادة يجب أن تفرض سيطرتها الكاملة على جميع أراضيها” – على أنها تدخل سافر في شؤونها ووصاية غير مقبولة، خاصة في ظل استمرار التوغلات العسكرية والاعتداءات التركية .

3. الملفات العابرة للحدود: تستخدم أنقرة ملفات مثل وضع سنجار ووجود الحزب كأوراق ضغط مستمرة… ؛  كما أن ملف المياه (نهر دجلة والفرات) يبقى أداة ضغط استراتيجية في يد تركيا، رغم وجود حديث عن اتفاقيات جديدة لتنظيمه.

**تقييم السيناريوهات والمخاطر المحتملة

بناءً على التصريحات الرسمية والتطورات الميدانية، يمكن استنتاج عدة سيناريوهات:

• سيناريو التعاون والضغط المتوازن : تستمر أنقرة في نهجها المزدوج القائم على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني الرسمي مع بغداد، مع الاستمرار في العمليات العسكرية ذاتية التوقيت في الشمال… ؛ و التعاون الأمني الرسمي بين البلدين في مجالات مثل تبادل المعلومات الاستخبارية ومكافحة الإرهاب آخذ في التطور… ؛ و في الوقت نفسه، تسعى تركيا إلى ترسيخ مصالحها الاقتصادية عبر مشاريع كبرى مثل “طريق التنمية” الذي يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية، ويعتبر تأمينه أحد مبررات الوجود العسكري في الشمال.

• سيناريو التصعيد المحدود: في حال حدوث هجوم كبير تنسبه أنقرة للحزب داخل تركيا، قد تشن عمليات عسكرية أوسع وأعمق في شمال العراق، مما قد يؤدي إلى مواجهات مع فصائل عراقية أخرى أو حتى مع القوات الاتحادية… ؛  ومع ذلك، فإن التصريحات التركية الرسمية تؤكد سعيها “بكل الوسائل لمنع نشوب حرب لا تتحملها المنطقة”.

• سيناريو الاستقرار الطويل: يعتمد هذا على تحولات كبرى، مثل التوصل إلى حل دائم ودائم لملف حزب العمال الكردستاني يرضي الطرفين، أو تطور التعاون الاقتصادي لدرجة تجعل تكلفة أي توتر عسكري باهظة للجانبين. إلا أن الواقع الحالي لا يشير إلى قرب تحقيق ذلك.

**خاتمة وتوصيات

العلاقة بين العراق وتركيا علاقة معقدة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية الحيوية (النفط، المياه، التجارة، مشروع طريق التنمية) مع التهديدات الأمنية المتصورة والصراع على النفوذ الإقليمي… ؛  إن سياسة أنقرة القائمة على الحسم العسكري خارج الحدود تتناقض مع مبدأ سيادة الدولة الذي تدعو إليه رسمياً.

للحكومة العراقية والنخب السياسية خيارات صعبة ولكن ضرورية لموازنة هذه العلاقة …

نعم , أمام هذه المخاطر المتعاظمة، تقع على عاتق الحكومة العراقية، والنخب الوطنية، والقوى السياسية المسؤولة، مهمة تاريخية لا تحتمل التهاون… ؛  فالتعامل مع هذا الملف الخطير يتطلب أعلى درجات اليقظة والحذر، وبناء تحالفات إقليمية ودولية فاعلة، وتفعيل الدبلوماسية العراقية، وتسليط الضوء إعلاميًا على الانتهاكات التركية المتكررة، وكشف مخططاتها التي تمس الأمن القومي العراقي… ؛ و توحيد الموقف الداخلي: بناء إجماع وطني عراقي (مركزي-إقليمي) حول خطوط حمراء واضحة فيما يتعلق بالوجود العسكري الأجنبي واحترام السيادة …

كما ينبغي الاستعداد لاتخاذ خطوات سيادية حازمة، بما في ذلك إعادة النظر في طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية مع أنقرة، ووقف التعاملات التجارية، وإغلاق الحدود، إذا ما استمرت تركيا في سياساتها العدوانية، وتمادت في انتهاك سيادة العراق وتهديد أمنه ووحدة أراضيه… ؛ كما يجب تفعيل الدبلوماسية العراقية لتأمين دعم إقليمي ودولي أوسع لموقفها الداعي لاحترام سيادتها، واستغلال الدور التركي في ملفات أخرى (كدعمها للإرهاب ) كرافعة للتفاوض… ؛ فضلا عن  تسليط الضغط الشعبي والإعلامي , و الاستمرار في توثيق الانتهاكات وطرحها في المحافل الدولية، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الجانب التركي لتجنب الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة العواقب.

إن صمت اليوم قد يكون ثمنه كارثة الغد، والعراق، بتاريخ دولته وعمق شعبه، لا يمكن أن يكون ساحة مفتوحة لأطماع الآخرين، أو ورقة في حسابات إقليمية لا تراعي إلا مصالحها الضيقة.

في النهاية، يبقى مستقبل العلاقة رهناً بقدرة بغداد على تحويل ورقة السيادة من شعار إلى استراتيجية عمل فاعلة، وقدرة أنقرة على التوفير بين أمنها المباشر كما تفهمه وبين احترام استقرار جارها الذي تؤثر اضطراباته سلباً عليها أيضاً.