كشف للقصة الرابعة عشرة من ملحمة الأديب العراقي أمجد توفيق والمجموعة القصصية ((بُدراب))

ياس الركابي

قصة:
((المِسبحة السوداء))
وخلاصتها
أن احدهم كان ينتظر في طابور للتزود
بالوقود.. ايام الإحتلال الامريكي للعراق
وبعد.. طول انتظار له وللعشرات قضاها
بتلاوة القرآن بصوت نغمي.. ليس كباقي
الأصواااااااات
حلّت
ساعة التزود بالوقود وإذ تسيدت جموع
من افراد وعجلات امريكية المكان وقبل
ان يقوم هذا المؤمن! بما كان يتربص به
للهمرات الامريكية …كان قد قام بتسليم
مسبحته السوداء المطعّمة بالفضة للبطل
كي يوصلها
الى ذوييييييييييييييييييييييييييييه
وما هي إلا دقائق حتى آنقض هذا الشيخ
بعجلته على همر امريكية.. ليشعل المكان
ويحرق الابدان !
وها هو البطل امجد توفيق يقصُّ علينا
احسن قصصه
والتي ندعوكم لآقتنائها لمطالعتها
حيث تتسرب الكلمات كالذِكر في أصابع
الزمن ويستحسن للقارئ أن يطهّر قلبه
قبل أن يغوص في بحر عبقرية
هذا
( الكاتب الذي نرى بأن التاريخ سيخلده)
وقبل الغوص في عمق المسرودة القوية
الأمجدية
لابد ان نتساءل مع انفسنا هل ان بدايتها وردت كوعد حتمي تحقيقه؟……لاننا نرى فيها قوة كبذرة توتر ………….لامدخلًا شكليًا …ثم هل أن ماتابعناه إبتداءً وجد صداه لاحقًا؟ ..وهل ان الجمالية اللغوية وكما هو عليه امجد في الإشتغال جاءت منفصلة عن مصير الحكاية؟ فإن لم يكن وعد البداية قد تحقق في النهاية ..فهذا يعني….. ان هناك إرتخاءً على المستوى البنيوي حتى مع عظمة ماهو عليه النص من بلاغة تفنّن معها امجد عندما دنا من اخطر منطقة في المسرودة ….تلك هي الوسطى كمنطقة اختبار حيث التصاعد المنطقي للأحداث فأما تنامي البذرة او الذبول حيث التطور في الشخصية على مستوى التحول الداخلي… او الخارجي علاوة على الترابط السببي للاحداث فإن كانت منطقة الوسط مجرد حشو تاملي او تكرار لمعاني فسنكون امام ضعق نصي حتى لو كانت اللغة آسرة …….لأن القص الحقيقي …….هو الذي يتركنا امام نهاية نستفهم من خلالها ……..هل انها جاءت كنهاية……..نتيجة.. ام مفاجاة مصطنعة؟
فإذا كانت الإجابة نعم …فنحن أمام نص يمتلك وحدة داخلية عضوية …لا مجرد
ترتيب زمني
# فقصة ….مسبحة امجد توفيق تنهض على ثيمة ملتبسة وعميقة…….. تلك هي إشكالية السرد والحقيقة، حيث ان البطل ومنذ البداية ……يشكك بقدرة اللغة على احتواء الواقع …….وليضعنا أمام مفارقة
القول بأن الحديث خيانة محتملة
للتجربة….والصمت عجزٌ عنها..نعم.. فهذه الجدلية تتجسد عبر حادثة التفجير لكن النص لا ينشغل بالحدث السياسي بقدر انشغاله بتداعياته الأخلاقية والوجودية.
فشخصية…أبي الشهداء ..الإنتحاري…لا تُقدَّم بوصفها …نموذجاً دعائياً ……بل ككائن مركّب …جمال الصوت……..خشوع الصلاة ..فراسة الاختيار… ….ثم فعل التفجير!!! …..فهنا نرى بان كاتبنا امجد توفيق قد نجح في صناعة توتر داخلي عند السارد …توتر بين الجمال والعنف
و بين الإعجاب الحسي… ورفض الفعل فالاتهام الذي يلاحق السارد …يضاعف المأزق!!!! فهل يمكن الإعجاب بجمالٍ صَدَرَ عن فاعل عنيف دون أن يكون ذلك تواطؤًا؟!!!! ..ثم ان المسبحة هنا تؤدي وظيفة رمزية محورية فهي وثيقة ذاكرة وعلامة اصطفاء وجسر بين عالمين.. عالم الضحية ..وعالم الشهيد…. أما مشهد الصوت الأخير … صوت الابنة.. فيمثل ذروة جمالية تعيد إنتاج المعجزة الصوتية الأولى لكن بلا انفجار هذه المرة وكأن النص يلمح إلى إمكانية توريث الجمال دون توريث العنف!!!! إن قصة امجد بما هي عليه من بنية دائرية(صمت…صوت) وبأسئلتها المفتوحة إنما تتركنا كقارئين لها في منطقة تأمل أخلاقي وليس في مساحة حكم جاهز!! وهذه إحدى أهم
نقاط قوتها
وبرغم وضوح الحدث فلقد اشتغل النص على مساءلة الحقيقة بوصفها منظوراً لا يقيناً وعلى هشاشة الذاكرة أمام التأويل
وكيف ان ….التباس الإعجاب الجمالي بالفعل الأخلاقي……. قد طرح سؤال المسؤولية والاختيار!!!!!! …وكيف يصير الصوت جسراً بين القداسة والعنف وكاننا امام تأمل في معنى الشهادة …..والذنب والنجاة والهوية حين تتشظى بين البراءة
والاتهام
وما هي عليه انسانيتها
وكعادته امجد توفيق أراد أن يهز القارئ من الرتابة اليومية…. فجعل المسبحة السوداء رمزًا للذاكرة الممزقة… للصدمة ولقدرة الإنسان على التماسك…. رغم الفوضى…اراد أن يفضح هشاشة الحقيقة في رواية الأحداث …..وأن يوضح أن الإعجاب أو الخوف أو الحزن…. ليست عواطف فقط بل بوابات لفهم عمق الروح
من حيث ان استلام المسبحة السوداء المطعمة بالفضة كرمز الذاكرة والواجب
وآضطراره للصمت والتأمل
# لنهاية تجلت في تلاوة ابنة الشهيد للقرآن، قد جسّد لنا امجد توفيق استمرار الرسالة وهو يجعل الصمت الأول ينصهر في صوت يحمل معنى الخلود والفداء والارتباط ….بين الماضي……. والحاضر
وبين الموت والذكرى.
نعم……فلقد …..وضعنا …..امجد توفيق
في قصة المسبحة.. تحديدًا بأن لانسأل عن الإنفجار بوصفه حدثًا بل عن اللحظة التي سبقته……….فمَن هو الذي كان يعدّ الخرزات؟ وهل هو في هذا الصدد كان يعدّ أيامه أم خطاياه أم يعد احتمالات النجاة؟ فالقلق كل القلق هو في رَجْع السؤال هذا!!!! فهل كان الانفجار قدَرًا مكتوبًا في الخيط منذ أول خرزة أم أن يدًا مرتعشة شدّت العقدة أكثر مما ينبغي
إنه سؤال المسؤولية والبراءة
سؤال اليد التي أمسكت
والنية التي سبقت الفعل.
ولي معكم قراءة ثانية مع ابعاد المسبحة
إنسانيًا