مطرقة البطانة وسندان الحاشية

رياض الفرطوسي

الحاشية أم البطانة، مفردات متداولة على مستوى الشارع. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه التسمية في أكثر من موضع، فقال: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون” (الآية 118 من سورة آل عمران).

عادة ما يختار المسؤول عدداً من كبار معاونيه ومستشاريه وحوارييه، وهم من الأصدقاء والأقرباء والأصهار، ويحدد اختيارهم على أساس الولاء لا على أساس الأمانة والنزاهة والكفاءة والخبرة وحسن السلوك.

من الصفات المشاعة عن البطانة: اللباقة المزيفة، النفاق، محاربة أي ناجح، وإخفاء الحقائق. تنتزع البطانة نفوذها من قرابة صاحب القرار والحاكم، ولا تستغرب إن وجدت بعض الحاشية يقومون بإخفاء الأوامر الإدارية والقرارات، ويسمحون لأنفسهم بعقد الصفقات واستباحة المال العام دون مبالاة أو تنصل.

معظم هؤلاء يتظاهرون بالأمانة والائتمان والتدين، في حين يخاطبهم القرآن الكريم: “لا ينال عهدي الظالمين”. قد يصبح الحلاق مديراً عاماً، وسمسار عقارات وكيل وزارة، وحدقجي مسؤول الحماية، وصاحب بقالية مدير مكتب وزير، وبائع إطارات محللًا سياسياً ورئيساً لجامعة.

في الكثير من الأحيان، يضع المسؤول حاشيته وبطانته فوق مصالح الناس والوطن. أي احتجاج أو نقد للحاشية يعتبر خطيئة كبرى قد يتعرض صاحبها لقطع رزقه وربما قطع رقبته، ومحاربته بكل الوسائل الناعمة والخشنة.

وبمقدار أهمية الحاشية للمسؤول في تسيير أموره وواجباته، قد تكون في الوقت ذاته عبئاً ثقيلًا عليه، خاصة إذا أصبحت ذات سمعة سيئة وقوة فعالة لتحقيق غاياتها من خلال قلب الحقائق وتزييفها، لجعل كل قرارات المسؤول لصالحها. الكثير من هؤلاء يحاولون إيقاع المسؤول بالأخطاء للسيطرة على قراراته.

وللحاشية صراعاتها ومشاحناتها وبغضها ودسائسها خلف الأبواب المغلقة، وكثيراً ما تنتهي هذه المؤامرات بتصفية حسابات عبر الإقصاء والتهم الجاهزة. ما أكثر الحالات التي نشاهد فيها تضخم الحاشية بحيث تصبح قوة فاعلة توازي قوة المسؤول نفسه في إدارة مفاصل المؤسسات، سواء كان ذلك بأمر المسؤول أو بدون أوامره.

ولا تتوقف الخطورة عند هذا الحد، بل الأخطر أن يتستر المسؤول على بطانته وحاشيته ويداري تجاوزاتهم ويبررها، طواعية أم اضطراراً، لأنهم سفينته وسلاحه الذي يواجه به الخصوم والأعداء والطامعين. نادراً ما تُعطى فرصة لوجود المخلص والكفوء والثقة وسط المحسوبيات والشلليات بين عناصر الحاشية.

لذلك، في نهاية الأمر، نرى أن المسؤول يفشل بسبب ما تصله من صورة كاذبة وأوهام غير حقيقية وتعظيم لإنجازات لا وجود لها. ولأن الكذب يحتاج إلى طاقة، نجد البطانة منهكة دون وجود عمل شاق، لأن تبديل الوجوه وأساليب التحايل بشكل مستمر يجعلهم عبارة عن أنقاض. لذلك يحرصون دائماً على التظاهر بالاتزان والتماسك والرصانة والأناقة المفرطة لإخفاء الرذائل الداخلية.
الحاشية والبطانة لم تكن يوماً مجرد تفصيل في مشهد السلطة، بل كانت في حالات كثيرة عنوان السقوط نفسه.

في حالة أدولف هتلر، لم يكن الانهيار نتيجة جبهة خارجية فقط، بل نتيجة دائرة ضيقة من المقرّبين غذّت أوهامه وعزلته عن الواقع. كبار قادته، مثل هاينريش هيملر وهيرمان غورينغ، أخفوا الحقائق وتنافسوا على النفوذ، وبعضهم حاول التفاوض سراً مع الحلفاء عند اقتراب الهزيمة. لم تجرؤ البطانة على مصارحته بحجم الانهيار العسكري، فاستمر في اتخاذ قرارات كارثية، يعيش في وهم القوة بينما الأرض تنهار تحت قدميه، حتى سقط النظام من داخله قبل أن يسقط من خارجه. باختصار، حين يُحاط الحاكم بمن يصفق له لا بمن يصارحه، يسقط قبل أن يسمع صوت السقوط.

ولم تكن هذه الحالة استثناءً في التاريخ. فالرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو أحاط نفسه بدائرة مغلقة من الموالين الذين ضخّموا إنجازاته وأخفوا غضب الشارع حتى انفجر المشهد في أيام معدودة. ومعمر القذافي ظل يسمع خطاب التصفيق ذاته فيما كانت البلاد تتآكل من الداخل. وزين العابدين بن علي وحسني مبارك عاشا في فقاعة تقارير مطمئنة صنعتها بطانة لا ترى إلا مصالحها.

أما صدام حسين، فرغم احترازاته الأمنية الصارمة حول مرافقيه وحراسه وحاشيته، إلا أنه في نهاية المطاف وشى به للأمريكان أحد أبناء عمومته، فأرشدهم إلى مكانه الآمن، جحر ضيق داخل الأرض. هكذا، حين تتحول الحاشية إلى مطرقة، والبطانة إلى سندان، لا يعود الحاكم سيد القرار، بل يصبح أسير الدائرة التي صنعها بيده، وتسقط السلطة من الداخل قبل أن تُسقطها الجيوش.

حين تتجبر البطانة وتتضخم ذاتها، وينعدم ضميرها المنبه، وتتكبر وتتجلى، وتستعرض بدهائها المسرحي وتمثيلها أمام الجمهور، وتتباهى بفسادها بشكل علني، تتحول مطرقة البطانة وسندان الحاشية إلى قوة ساحقة ضد الحاكم نفسه، فتقلب كل معايير السلطة، وتسيطر على القرار والمعلومة، وتفتك بما تبقى من صورته الزائفة أمام الناس. في النهاية، لا يسقط الحاكم بسبب خصمه الخارجي وحده، بل بسبب أداة القوة التي اختارها ليحمي نفسه، ليجد نفسه ملقى تحت أقدام الفقراء والغاضبين، ضحية لأولئك الذين كانوا يمثلون له الأمان والولاء.