آية قرآنية (فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (ح 16)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تبارك وتعالى “فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿العنكبوت 37﴾ جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: التكذيب سببا في أن تصيبهم زلزلة شديدة فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين أي مكبوبين على وجوههم ميتين. و الجاثم مشتق من جثم على زنة سهم ومعناه الجلوس على الركبة والتوقف في مكان ما. ولا يبعد أن يكونوا نائمين عند وقوع هذه الزلزلة الشديدة. فهذا التعبير إشارة إلى أنهم عند وقوع هذه الحادثة نهضوا وجثوا على الركب، إلا أن الحادثة لم تمهلهم حيث انهارت الجدران عليهم ونزلت عليهم الصاعقة التي تزامنت معها فماتوا. قوله تعالى “يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة ” التّفسير: صيحة الموت المرعبة: بعد أن أكّد القرآن الكريم على حقيقة القيامة و حتمية وقوعها في الآيات السابقة، تتعرض الآيات أعلاه لبعض ما يصاحب يوم القيامة من علامات و أحداث، فتقول: “يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة ” (النازعات 6)، أي: يوم تحدث الزلزلة العظيمة المهولة،”ثمّ: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة ” (النازعات 7)”الراجفة “: من الرجف، بمعنى الاضطراب و التزلزل، و لذا يقال للأخبار التي توقع الاضطراب بين أوساط الناس بالأراجيف .”الرادفة “: من”الردف”، و هو الشخص أو الشي‌ء الذي يأتي بعد نظيره تتابعا، و لذا يقال لمن يركب خلف آخر، رديفه. و يعتقد كثير من المفسّرين بأنّ”الراجفة “: هي الصيحة و نفخة الصور الاولى التي تعلن عن موت جميع الخلائق، و”الرادفة ” هي الصيحة و نفخة الصور الثّانية التي يبعث فيها الخلق مرّة اخرى ليعيشوا يوم القيامة. ينبغي ملاحظة أنّ فعل رجف قد يأتي متعديا و قد يأتي لازما، فعلى الحالة الاولى تكون”الراجفة ” بمعنى الزلزلة العظيمة التي تزلزل كلّ الأرض و الموجودات، و على الحالة الثّانية تعني الأرض دون غيرها. و عليه، فالآيتان تشيران إلى نفس ما أشارت إليه الآية (68) من سورة الزمر: “وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‌ فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ‌”. و قيل: “الراجفة “: إشارة إلى الزلزلة التي تدمّر الأرض، و”الرّادفة “: إشارة إلى الزلزلة التي تدمّر السماوات. و التّفسير الأوّل كما يبدو أقرب للصواب. و تأتي الآية الاخرى لتقول: “قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَة ” (النازعات 8). فقلوب العاصين شديدة الاضطراب خوفا من الحساب و الجزاء.”واجفة “: من الوجف، بمعنى سرعة السير، و أوجفت البعير: حملته على الإسراع، و تستعمل أيضا للاضطراب الشديد لما يصاحبه من اهتزاز و إسراع. و يكون التزلزل الداخلي من الشدّة بحيث يظهر على وجوه كلّ المذنبين، و لذا يقول القرآن: “أَبْصارُها خاشِعَة ” (النازعات 9). فيبدو الاضطراب و الخوف ظاهرا على أعين المذنبين، و تتوقف حركتها و كأنّها قد فقدت حاسة النظر لما أصابها من خوف شديد. و في الآية التالية ينتقل الحديث من أخبار يوم القيامة إلى الحياة الدنيا: “يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَة ” (النازعات 10)”الحافرة “: من الحفر، بمعنى شقّ الأرض، و ما ينتج من ذلك يسمى حفرة، يقال: حافر الفرس، تشبيها لحفرة الأرض في عدوه، و”الحافرة “: كناية لمن يرد من حيث جاء، كما لو سار إنسان على أرض، فيترك فيها حفرا لتحمل آثار قدمه، ثمّ يعود إلى نفس تلك الحفر، فالحافرة: تعني الحالة الاولى‌.

عن كلمة جاثمين قال الله تبارك وتعالى “فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿الأعراف 78﴾ جاثمين: باركين على ركبهم، أو هامدين ميتين كالرماد، والجثم والجثوم في المكان القعود فيه أو البروك على الأرض وهو كناية عن الموت، و”فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿الأعراف 91﴾ جاثمين: باركين ميتين، و”وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿هود 67﴾ جاثمين: ميتين ساقطين على وجوههم، و”وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿هود 94﴾ جاثمين: هامدين موتى لا حراك بهم، و”فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿العنكبوت 37﴾ جاثمين: ميتين لاصقين بالأرض. التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة جثم: استعارة للمقيمين، من قولهم: جثم الطائر إذا قعد ولطئ بالأرض، والجثمان: شخص الإنسان قاعدا، ورجل جثمه وجثامة كناية عن النؤوم والكسلان.

قال الله سبحانه وتعلى عن الرجفة ومشتقاتها”فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿الأعراف 78﴾ الرَّجْفَةُ: ال اداة تعريف، رَّجْفَةُ اسم، الرَّجْفةُ: الصيحة، فأخذتهم الرجفة: الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء، فأخذَت الذين كفروا الزلزلةُ الشديدة التي خلعت قلوبهم، فأصبحوا في بلدهم هالكين، لاصقين بالأرض على رُكَبهم ووجوههم، لم يُفْلِت منهم أحد، و”فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿الأعراف 91﴾ الرَّجفةُ: الزلزلة، فأخذتهم الرجفة: الزلزلة الشديدة، فأخذَتْ قومَ شعيب الزلزلةُ الشديدة، فأصبحوا في دارهم صرعى ميتين، و”فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم” ﴿الأعراف 155﴾ الرَّجْفةُ: الصاعقة، فلما أخذتهم الرجفة: الزلزلة الشديدة، قال ابن عباس: لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، قال: وهم غير الذين سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة، واختار موسى من قومه سبعين رجلا مِن خيارهم، وخرج بهم إلى طور”سيناء” للوقت والأجل الذي واعده الله أن يلقاه فيه بهم للتوبة مما كان من سفهاء بني إسرائيل من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك -يا موسى- حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلَّمته فأرِنَاهُ، فأخذتهم الزلزلة الشديدة فماتوا، فقام موسى يتضرع إلى الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم، وقد أهلكتَ خيارهم؟ لو شئت أهلكتهم جميعًا من قبل هذا الحال وأنا معهم، فإن ذلك أخف عليَّ، أتهلكنا بما فعله سفهاء الأحلام منا؟ و”فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” ﴿العنكبوت 37﴾ فأخذتهم الرّجفة: الزلزلة الشديدة بسبب الصّيحة، فكذَّب أهل مدين شعيبًا فيما جاءهم به عن الله من الرسالة، فأخذتهم الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم صَرْعى هالكين.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى “فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ” (العنكبوت 37) فَكَذَّبُوهُ “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَذَّبُوا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. فَأَخَذَتْهُمُ “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَخَذَتْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”التَّاءُ” حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. الرَّجْفَةُ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. فَأَصْبَحُوا “الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَصْبَحُوا) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ (أَصْبَحَ) :. فِي حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. دَارِهِمْ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جَاثِمِينَ) :، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. جَاثِمِينَ خَبَرُ أَصْبَحَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.