هدنة على حافة العاصفة
كتب رياض الفرطوسي
في الحروب، لا تأتي الهدن دائماً كإشارات طمأنينة، بل كثيراً ما تكون فواصل قصيرة بين موجتين من العنف. إعلان دونالد ترامب وقف الضربات ضد إيران لخمسة أيام، والتي تنتهي غداً، يبدو في ظاهره انحناءة نحو الدبلوماسية، لكنه في عمقه يثير شكوكاً أكثر مما يبعث على الارتياح.
القرار لا يمكن فصله عن منطق القوة الذي يحكم السلوك الأمريكي. فالتجميد المؤقت للعمليات العسكرية لا يعني بالضرورة تراجعاً، بل قد يكون إعادة ترتيب للأدوات، وتهيئة لمرحلة أشد وقعاً. الوقت هنا ليس حيادياً، بل جزء من الخطة، يُستثمر في رفع الجاهزية واستكمال ما لم يُستكمل، وكأن العدّ التنازلي بدأ لا للتراجع، بل لما بعده.
المشهد يتسع أبعد من حدود طهران. هناك حسابات تتقاطع مع صعود الصين، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح غير معلن في صراع النفوذ العالمي. أي ضغط على إيران لا يُقرأ فقط في سياقها الإقليمي، بل كجزء من محاولة تطويق منافس اقتصادي يتقدم بخطى ثابتة نحو قلب النظام الدولي.
في المقابل، تتعامل طهران مع الخطاب الأمريكي بوصفه امتداداً لنهج مألوف، تُستخدم فيه اللغة كغطاء لتحركات ميدانية. إنكار وجود مفاوضات ليس مجرد موقف سياسي، بل انعكاس لانعدام الثقة، وهو انعدام لم يولد اليوم، بل تراكم عبر سنوات من التجارب المتناقضة.
وبين السطور، تتحرك احتمالات أخرى. قوى اخرى ، جبهات قابلة للاشتعال، ومسارات قد تُفتح فجأة من حيث لا يُتوقع. المنطقة، التي لم تلتقط أنفاسها بعد من أزماتها المتلاحقة، تبدو وكأنها تُدفع مرة أخرى نحو حافة اختبار جديد، قد لا يبقى محصوراً في نطاقه الأول.
وسط هذا التعقيد، يظهر مسار عربي يسعى إلى كبح الانزلاق نحو المواجهة الشاملة، عبر التهدئة ومحاولات احتواء التصعيد. غير أن هذه الجهود، مهما بلغت، تصطدم بواقع دولي لا تحكمه النوايا بقدر ما تحكمه المصالح الصلبة.
في المحصلة، الهدنة ليست نهاية قصة، بل بداية فصل غامض. خمسة أيام قد تبدو قصيرة في حساب الزمن، لكنها كافية لإعادة رسم ملامح مشهد كامل. ومع اقتراب نهايتها غداً، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، ليس عمّا قيل خلالها، بل عمّا جرى الإعداد له في ظلها.