نزار حيدر
{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}.
الفشلُ ليسَ خياراً! واحذر أَن تضعَ نفسكَ في موقفٍ تعجزُ فيهِ عن اتِّخاذِ القرارِ المطلوبِ! سلباً كانَ أَو إِيجاباً، وانتبِه لأَيَّةِ [دعوةٍ للتصرُّفِ] لتبني عليها قراراً يخدِم الصَّالِح العامِّ وأَنَّ قَبول التحدِّي يُعِدُّكَ ويُهيِّئُكَ لتحقيقِ الهدفِ والإِنجازِ وأَنَّ غيرَ المعقُولِ ليسَ مُستحيلاً.
هذهِ القواعد الإِستراتيجيَّة التي نستخلصُها من الآيةِ الكريمةِ تُعَدُّ حجَر الزَّاوية في بناءِ العقليَّة البنَّاءة والخلَّاقة المُنتِجة القادِرة على السِّباحةِ عكس التيَّار، كما يُقال، عندما يكونُ التيَّارُ فاسِداً ومُلوَّثاً ومُنحرِفاً وفاشلاً.
وعكسَها يمكنُ أَن نسمِّيها بأَسبابِ الفشَلِ جرَّاء التَّثاقل والإِتِّكالِ وعدَمِ الإِستعدادِ لقَبول التحدِّي ورفضِ التَّضحِية والشَّك.
وبرأيي فإِنَّ أَهمَّ كُلَّ هذهِ القواعِد هي قاعِدة الثِّقة بالذَّات والإِيمان بالقدُراتِ الذاتيَّةِ والإِعتمادِ على النَّفسِ أَوَّلاً فإِذا تهيَّأَت كُلَّ هذهِ الحقائق تبدأ بالبحثِ عن العواملِ المُساعدةِ والأَدواتِ المُناسبةِ والضَّروريَّةِ لعمليَّة البِناء وقَبول التحدِّي لتحقيقِ الإِنجازِ والنَّجاحِ.
وبعُنصرِ الثِّقةِ بالذَّاتِ يكونُ المرءُ قادراً على أَن يكُونَ قائداً لفريقٍ، وبغيرهِ فقد يفشلُ حتَّى في أَن يكُونَ عضواً في فريقٍ ورُبَّما يذُوبُ فيهِ من دونِ أَن نسمعَ لهُ حسيساً!.
وبالثِّقةِ بالنَّفسِ يتصدَّى المرءُ لموقعِ المسؤُوليَّةِ الذي يرى نفسهُ وقُدُراتهُ وخبراتهُ فيهِ {قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ* قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.
بمعنى آخر أَدق فإِنَّ البدايةَ تكونُ من الذَّاتِ وكُلُّ ما سِوى ذلكَ عوامِل مُساعِدة إِذ ليسُ هناكَ في الكونِ مَن يُمكِنُ أَن يكونَ بديلاً عنها إِنَّما هيَ مُكمِّلة ومُقوِّية فحَسب، والآيةُ الكريمةُ واضحةٌ جدّاً فذُو القرنَينِ اعتمدَ أَوَّلاً على نفسهِ وعلى ما وهبهُ الله تعالى لهُ من قدُراتٍ ذاتيَّةٍ وكفاءاتٍ وخِبرةٍ ثمَّ طلبَ من القَومِ ثانياً إِعانتهِ بالأَدواتِ والمُكمِّلاتِ لإِنجازِ المُهمَّةِ فلَو لم يكُن واثِقاً من نفسهِ ومِن قُدراتهِ الذَّاتيَّةِ لما طلبَ المعُونةَ ولو طلبَها من دونِ الإِستعداد الذَّاتي لما نجحَ في إِنجازِ شيءٍ، ما يعني أَن العوامِلَ المُساعِدة للتَّمكينِ وليسَ لخلقِ الثِّقةِ بالذَّاتِ أَو لكسبِ المهاراتِ الذاتيَّةِ.
في قصَّةِ نبيَّ الله مُوسى (ع) نفسُ المعنى، فعندما أَمرهُ ربَّهُ أَن يذهبَ إِلى الطَّاغيةِ فرعَون لمواجهةِ طُغيانهِ وجبرُوتهِ ودمويَّتهِ ولتحريرِ [بني إِسرائيل] إِعتمدَ أَوَّلاً على ما يمتلِك من مهاراتٍ خلَّاقةٍ وهبَها لهُ ربُّ العالمينَ ثمَّ طلبَ منهُ تعالى أَن يشُدَّ عضدهُ بأَخيهِ في قولهِ تعالى {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي} وهذهِ كلُّها مهارات ذاتيَّة تُرسِّخ الثِّقةَ بالذَّات المطلُوبةَ لإِنجازِ المُهمَّةِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ طلبَ منهُ تعالى أَن يوظِّف لهُ العامِل الخارجي [المُساعد] بقولهِ تعالى {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} لماذا؟! {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}.
فهوَ (ع) لم يطلُب من الله تعالى أَن يستبدِلهُ بأَخيهِ فالإِستبدالُ يعني أَنَّهُ ليسَ جديراً بحملِ الرِّسالةِ وأَداءِ الأَمانةِ أَو أَنَّهُ ضعيفُ الثِّقةِ بالذَّاتِ وبقُدُراتهِ الذَّاتيَّة، إِنَّما هوَ طلب مُساعدةً يُكمِّلُ بها الفراغات ليتثبَّتَ من كاملِ القُدرةِ على إِكمالِ المُهمَّةِ على أَحسنِ حالٍ وأَكملِ وجهٍ من دُونِ تقصيرٍ خاصَّةً وأَنَّ المُهمَّةَ عظيمةٌ وتاريخيَّةٌ ليسَ فيها الفشلُ أَو التَّقصيرُ خَياراً أَبداً!.
ولذلكَ فإِذا أَردنا أَن نبني جيلاً جديداً ناجِحاً يلزمُ أَن نغرِسَ فيهِ منذُ الصِّغَر القِيَم والمبادئ التَّالية؛
*الثِّقةُ بالنَّفسِ حتى لا ينشأ على التردُّدِ والشَّكِّ، والثِّقةُ يتمُّ بناؤُها بمنحهِ حريَّةِ التَّعبيرِ عن نفسهِ وهوَ صغيرٌ فلا يُقمَعُ إِذا أَرادَ أَن يتكلَّمَ ولا يُنهَرُ إِذا أَرادَ أَن يسأَلَ ولا يُطردُ من المجالسِ بذريعةِ صِغرِ سنِّهِ ولا يُهانُ أَو يُضربُ أَمامَ النَّاس فكُلُّ ذلكَ يُحطِّمُ الثِّقةَ بالنَّفسِ فيشبُّ خائفاً مرعوباً يخشى أَن ينبسَ ببنتِ شفَةٍ خشيةَ أَن تكونَ ليسَت في محلِّها!.
فإِذا ترسَّخت الثِّقةُ فلا يجوزُ تحطيمِها بالظُّنونِ كما يَقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثِّقَةِ بِالظَّنِّ}.
وقتها يتحقَّق المعنى الذي يُشيرُ إِليهِ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مُخاطِباً إِبنهُ محمَّد بن الحنفيَّة لمَّا أَعطاهُ الرَّايةَ يَوم الجَمَل {تَزُولُ الْجِبَالُ ولَا تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللَّه جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّه سُبْحَانَه}.
*بناء الذَّات أَوَّلاً والسَّعي الحثيث لكسبِ المهاراتِ الذَّاتيَّة والرَّصيدِ الشَّخصي [الذَّاتي].
*الإِحساس وتحمُّل المسؤُوليَّة وعدم التهرُّبِ من تحمُّلِ مسؤُوليَّة الخطأ أَو الفشلِ.
*وهذا يحتاجُ إِلى بناءِ الشَّجاعةِ في نفوسِ النشءِ الجديدِ، فالجبانُ يهربُ ولا يُواجِهُ الحقائقِ.
*نعلِّمهُ أَنَّهُ عندما يُريدُ أَن يبحثَ عن عوامِلَ مُساعِدةٍ لإِنجازِ مهامِّهِ [صديقٌ أَو زميلٌ أَو مهارةٌ أَو أَداةٌ ووسيلةٌ أَو علمٌ ومعرفةٌ] يختارُ منها ما يكمِّلُ بها نواقِصهُ أَو ما يحتاجهُ ولا يُكرِّر أَو يستنسِخ شخصيَّتهُ ومهاراتَها.
٢٠٢٦/٥/١٥