رياض سعد
في شقة متواضعة بأحد الأحياء العتيقة، حيث الجدران تروي قصص الصبر، كان سليم يتأمل سقف غرفته المتشقق كخريطة حياة مليئة بالتصدعات والاحباطات والازمات والصراعات …
فقد عمله قبل ستة أشهر، وبدأت مدخراته تتسرب كالماء من بين أصابع الزمن المثقوبة…
لم يكن سليم كافراً قلقا ، ولا كان مؤمناً مطمئناً… ؛ كان في المنطقة الرمادية حيث الإيمان يتأرجح كبندول ساعة قديمة بين الشك واليقين… ؛ يصلي حين يجد عملاً، وينقطع حين تغلق الأبواب في وجهه… ؛ يدعو ليلاً بدموع ساخنة، فإذا انبلج الفجر بفرج قريب، نسي الدعاء وانشغل بالفرح العابر…
ذات ليلة، وبعد أن رفض طلبه الأخير للعمل، عاد إلى بيته محطماً حزينا كئيبا… ؛ و في جيبه نقود تكفي لأسبوع واحد… ؛ جلس في الظلام، لم يعد يملك حتى ثمن الكهرباء… ؛ كان الصمت ثقيلاً، يخترقه فقط صوت تنفسه المتعب وهدير أفكاره المتلاطمة كأمواح البحر في الليل البهيم …
فجأة، ودون سابق إنذار، سمع صوت جاره العجوز من خلف الجدار الرقيق… ؛ كان الجار – الذي يعيش وحيداً منذ وفاة زوجته – يتلو القرآن بصوت خافت متقطع :
“أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ … …”
توقف الصوت… ؛ سليم كان يعرف أن جاره العجوز فقد ابنه الوحيد في حادث قبل سنوات، ومع ذلك لم ينقطع عن الصلاة، ولم يتوقف عن ترديد “الحمد لله” في كل صباح …
طرق سليم باب جاره في تلك الليلة، ولأول مرة منذ شهور، تكلم من أعماق روحه المتعبة… ؛ اذ قال له: عمي، كيف تحمد الله وقلبك مليء بالوجع؟!
ابتسم العجوز ابتسامة من رأى ما لم يره الآخرون، وأشار إلى ساعة حائط قديمة في غرفته، عقاربها صدئة لكنها لا تزال تتحرك… ؛ ثم قال: يا بني، هذه الساعة تتوقف كل يوم… ؛ لكني لا أنزعج من توقفها… ؛ أعرف أن هناك يداً خفية تدير عقارب الكون… ؛ ألم ترَ كيف يتوقف قلبك أحياناً من هول المفاجأة، ثم يعود للنبض؟
ألم تلاحظ أن اليأس حين يشتد، يأتي الفرج من حيث لا تدري؟
لم ينم سليم تلك الليلة… ؛ ظل يتأمل الساعة الصدئة التي لا تتوقف رغم صدئها، وكأنها تقول له شيئاً عن روحه هو .
وفي الصباح، بينما كان يجلس على حافة سريره، رن هاتفه… ؛ كان صديقاً قديماً لم يكلمه منذ ثلاث سنوات، يعرض عليه مشروعاً صغيراً يحتاج فيه إلى خبرته… ؛ لم تكن صدفة… ؛ أدركها سليم هذه المرة… ؛ فقد كانت هناك يد خفية تنسج الخيوط في الظلام …
منذ ذلك اليوم، لم يعد سليم يفاوض الله… ؛ صار يدعوه في الشدة والرخاء… ؛ لم يعد ينتظر المعجزة ليؤمن، بل آمن ليرى المعجزات في كل شيء: في نملة تحمل قوتها، في سحابة تمر، في ساعة جاره الصدئة التي لا تزال عقاربها تدور …