فلسفة فريدريك نيتشه: من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم. الجزء الرابع.

سليم جواد الفهد.

أنتهينا في الجزء الثالث إلى مآلات “موت الإله” وفي هذا الجزء سننتقل مع نيتشه من مآلات موت “الإله” إلى “إرادة القوة” وكيف انتقل نيتشه إلى هذه الإرادة وما هي هذه الإرادة وما هي علاقتها بالأبدية.
تمهيد:
تحريف كتاب “إرادة القوة”.
………………
تعد قضية تلاعب أخت نيتشه (إليزابيث فورستر) بكتابه “إرادة القوة” من أكثر المواضيع جدلا في تاريخ الفلسفة فقد تدخلت بشكل سافر في صياغة الكتاب وتبويبه بالتعاون مع المحرر هاينريش كوزيليتز وكيف أثر ذلك في سوء فهم فلسفة نيتشه و بالتالي ظلمه والإساءة إليه.
أصل الكتاب:
…………….
أول الكلام يجب أن نعرف إن “إرادة القوة” ليس كتابا أتمه نيتشه بنفسه بل هو عبارة عن مجموعة من الملاحظات والمسودات والشذرات التي كتبها في دفاتر ملاحظاته المعروفة ب(Nachlass) خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر. وهذه الكلمة (Nachlass) هي كلمة ألمانية تُستخدم في الأوساط الأكاديمية لوصف مجموعة المخطوطات والملاحظات والمراسلات مما يُترك بعد وفاة الباحث. وهي كلمة مركبة في الألمانية: “nach ” تعني “بعد”، و” lassen ” تعني “يترك”. أي يترك المسودات والشذرات و الملاحظات غير المنشورة بعد موته ولم ينشرها بنفسه.
و المقصود أنها ليست كتبا نهائية صاغها للنشر بل مواد أولية أو أفكار متفرقة أو تأملات ومراجعات. فكثير من نصوصه المعروفة بعد وفاته جُمعت من هذا الـ (Nachlass).
لماذا هذا مهم؟
لأن بعض القراء يخلطون بين الأعمال المنشورة التي وافق نيتشه على نشرها والشذرات التي لم يراجعها بصيغة نهائية.
وهذا مهم جدا في تفسيره لأن أفكار الـ(Nachlass) قد تكون تجريبية أو متغيرة لا تُعامل دائما كأنها موقف نيتشه النهائي. لذلك يحذر الباحثون من الاعتماد عليها وحدها لإثبات “نظرية فلسفية” عند نيتشه.فإذا وجدت عند نيتشه فكرة عن “إرادة القوة” في دفاتره فهذا لا يعني تلقائيا أنها نظرية مكتملة ونهائية مثل كتاب منشور فقد تكون مجرد صياغة أولية أو مسار تفكير.
نيتشه نفسه كان قد تخلى عن فكرة نشر كتاب بهذا العنوان قبل انهياره الصحي في عام 1889.
كيف تم التحريف؟
بعد مرض نيتشه ثم وفاته في عام (1900م) سيطرت أخته (إليزابيث) على أرشيفه وقامت باختيار ملاحظات معينة وتجاهل أخرى لتخدم رؤيتها الخاصة. رتبت الشذرات والملاحظات في هيكل يوحي بأن نيتشه كان يضع “مبنىً فلسفيا” متكاملا بينما كان أسلوبه الحقيقي يعتمد على الشذرات غير النسقية كما ذكرنا في الجزء الأول من هذه الدراسة.
قامت أخته (إليزابيث) بتعديل بعض الجمل وحذف فقرات بل وإضافة كلمات أحيانا لتعطي للنص صبغة معادية للسامية و تمجيد بقومية ألمانية متطرفة. وهي توجهات كانت (إليزابيث) تؤمن بها بشدة بينما كان نيتشه يعارضها صراحة في حياته.
باختصار قامت إليزابيث بـتزوير وتحريف مُتعمد لأفكار نيتشه بالشكل التالي:
أولا: حذفت مقتطفات تعارض قناعاتها السياسية خاصة معاداتها للسامية.
ثانيا: أعادت ترتيب الفقرات لتُظهر نيتشه وكأنه يدعو إلى القومية الألمانية.
ثالثا: زورت بعض النصوص لتُناسب أجندتها اليمينية المتطرفة.
التبعات السياسية والفلسفية:
بسبب هذا التدخل ظهر نيتشه في النسخة التي نشرتها أخته عام (1901) ثم نسخة موسعة في (1906) كأن نيتشه هو المنظر الأول للفكر النازي. واستخدم النازيون لاحقا هذا الكتاب المحرف لتبرير أيديولوجيتهم المتطرفة مستغلين مصطلحات مثل “الإنسان الأعلى” و “إرادة القوة” بعد أن أفرغوها من مضمونها الفلسفي الجاد وأخرجوها من سياقها الأصلي ووضعها في سياق عرقي وسياسي.
التصحيح الأكاديمي الحديث:
في ستينيات القرن العشرين قام الباحثان الإيطاليان (جورجيو كولي) و (ماتزيونو مونتيناري) بعمل جبار لتنقية تراث نيتشه.
فقد قاما بالعودة إلى المخطوطات الأصلية وترتيبها زمنيا حسب تاريخ كتابتها. و قاما بإثبات أن “إرادة القوة” بشكلها المنشور من قبل (إليزابيث) كان “تزييفا شنيعا”.
بعد نشر “الأعمال الكاملة” لنيتشه بناءً على المسودات الحقيقية أستطاع الفلاسفة مثل (هايدغر) و (دولوز) إعادة قراءة نيتشه بعيدا عن تشويهات إليزابيث.
(أقتبسنا هذه المعلومات بتصرف من كتاب (نيتشه وإرادة القوة لبيير مونتيبيلو، ترجمة جمال مفرج).
تجدر الإشارة إلى أن إليزابيث لم تحرف الكلمات فحسب بل حرفت “القصد الفلسفي” لنيتشه محولةً تأملاته الوجودية العميقة إلى مانيفستو سياسي يخدم أجندتها الشخصية وهذا ما تطلب عقودا من البحث الأكاديمي لتصحيحه وإعادة الاعتبار لروح النص الأصلية والبيئة التاريخية التي نبت فيها.
الطبعات الحديثة للكتاب تحاول استعادة النص الأقرب إلى نيتشه لكن السؤال يبقى: هل يمكن “إعادة بناء” كتاب لم يُكتب أصلا؟
ماهي “إرادة القوة”؟
……………..
فلسفة “إرادة القوة” عند
نيتشه هي إحدى أهم وأعمق أفكاره وتُعد حجر الزاوية في فلسفته المتأخرة.
مهم في البداية أن نفهم إن “إرادة القوة” ليست مجرد رغبة في السيطرة السياسية أو العسكرية أو البدنية بل هي الدافع الأساسي الكامن وراء كل حياة فالقوة هنا تعني القدرة على التأثير والتوسع والتفوق والتعبير عن الذات تعبيرا حرا لا تحده حدود. هي إرادة في التعزيز الدائم للذات وليس فقط الحفاظ على الوجود كما عند شوبنهاور.
“فإرادة الحياة” عند شوبنهاور تعني سعي بائس للبقاء والتكاثر فهي إرادة عمياء لا هدف و لا معنى لها.
أما “إرادة القوة” عند نيتشه فهي سعي للتفوق والتوسع والخلق فالحياة عند نيتشه إذا كانت معاناة يجب إنكارها و إذا كانت إيجابية يجب تأكيدها. حيث يرى نيتشه أن الكائن الحي لا يريد فقط البقاء بل يريد أن يكون أقوى وأن يُعبر عن طاقاته إلى أقصى حد هكذا يختلف مع شوبنهاور.
أبعاد فكرة إرادة القوة:
……………..
لهذه الفكرة ثلاثة أبعاد:
الأول: بُعد نفسي – بيولوجي:
معناه إن كل غريزة كل رغبة كل سلوك إنساني – حتى ما يبدو “سلبيا” – هو في الحقيقة تعبير عن “إرادة القوة” فالعلم: رغبة في فهم الطبيعة للسيطرة عليها. والفن: تحويل الألم إلى جمال أي تفوق على الواقع. والأخلاق: حتى “الخير” و”الشر” هي محاولات لفرض أنماط جديدة من السيطرة.
الثاني: البُعد الميتافيزيقي:
في كتاباته المتأخرة يميل نيتشه إلى رؤية الكون نفسه كـتفاعل دائم لقوى متصارعة ليس هدفها النهائي الصراع بل التفاعل المستمر من أجل خلق الجديد.
الثالث: البُعد الأخلاقي:
يعني إعادة تقييم كل القيم: الأخلاق التقليدية (خاصة المسيحية) ويسميها نيتشه أخلاق العبيد أو أخلاق الرحمة والشفقة والرأفة و هي اختراع الضعفاء لكي يقيدون الأقوياء فالأقوياء -في نظر نيتشه- لا يعرفون الرحمة والشفقة لذلك يدعو نيتشه إلى أخلاق السادة أخلاق تُقدر القوة والشجاعة والإبداع والتفوق على الذات.
بهذا المنهج يولد “الإنسان الأعلى” الذي يتجاوز الإنسان العادي بتحقيق “إرادة القوة” الكاملة الأبدية وهي التأكيد الأقصى للحياة.
هنا يتبرعم سؤال هو: ألا يعد هذا الطرح تبريرا للأستبداد والاستغلال؟يجيب نيتشه: أنا أرفض القسوة العبثية فالقوة عندي مرتبطة بالإبداع والتفوق الذاتي لا بالسيطرة على الآخرين بالضرورة!
ويشرح نيتشه مصطلح “إرادة القوة” قائلا هي: الداينمو الداخلي للحياة هي رغبة كل كائن في التوسع والتفوق والتعبير عن ذاته بأقصى طاقة. “إرادة القوة” ليست دعوة للعدوان البدائي بل دعوة للتفوق الذاتي والإبداع ورفض كل ما يقيد طاقة الحياة سواء كان دينا أو أخلاقا استسلامية أو مجتمعا. لأن “الحياة ذاتها هي إرادة قوة”.
نفهم من هذا إن العلاقة بين “الحياة” و”إرادة القوة” عند نيتشه ليست مجرد علاقة تشابه بل هي علاقة “تطابق ماهوي”. فالحياة في جوهرها هي إرادة القوة ولا يمكن تصور إحداهما دون الأخرى.
لنحلل هذه المطابقة من زاوية فلسفية:
الحياة عند نيتشه صيرورة وليست مجرد بقاء و لذلك يرفض نيتشه التعريف البيولوجي التقليدي للحياة الذي يحصرها في “غريزة البقاء” أو الحفاظ على الذات. بالنسبة لنيتشه الكائن الحي لا يسعى فقط للعيش بل يسعى للتوسع والنمو والتفوق فالحياة هي حركة صعود مستمرة و”إرادة القوة” هي المحرك الداخلي لهذه الحركة هي “الماهية الوصفية” للحياة فالحياة هي الجانب الظاهري و”إرادة القوة” هي الجانب الباطني أو “الجوهر” لهذه العملية لأن الحياة تتميز بقدرتها الدائمة على تجاوز نفسها.
في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” يقول نيتشه على لسان زرادشت:
(أينما وجدتُ كائناً حياً، وجدتُ إرادة القوة؛ وحتى في إرادة الخادم وجدتُ إرادة أن يكون سيداً).
هذا يعني أن الحياة كما يراها نيتشه عبارة عن صراع قوى حيث تحاول كل قوة فرض منطقها وتجاوز حدودها الحالية. هنا يتطابق “الموضوع” (الحياة) مع “المصطلح” (إرادة القوة) في كونهما تعبيراً عن “الفاعلية” وليس الاستسلام للواقع.
و وفقا لمنطق الصيرورة لا يمكن للحياة أن تكون “موضوعا” ثابتا للدراسة لأنها في حالة تدفق دائم. “إرادة القوة” تفسر هذا التدفق فهي ليست “رغبة” في امتلاك شيء بل هي
“تفريغ للطاقة” وخلق للقيم. فإذا كانت الحياة هي الفعل فإن “إرادة القوة” هي قانون هذا الفعل.
و يمكن مقارنة هذا التطابق بفكرة “وحدة الأضداد” فالحياة تتضمن الألم، الهدم، والبناء. “إرادة القوة” ليست دائما “بناء” بل قد تتجلى في الهدم من أجل خلق أشكال حياة أرقى. هذا التوتر هو ما يجعل الحياة تستمر.
فهما يتطابقان تماما في النسق النيتشوي. الحياة هي الشكل التجريبي “لإرادة القوة” و “إرادة القوة” هي التفسير الفلسفي لآلية عمل الحياة. لا توجد حياة “محايدة” ثم تضاف إليها “إرادة القوة” بل أن تحيا يعني بالضرورة أن تمارس “إرادة القوة” بأشكال ودرجات متفاوتة.
يمكن القول – إذا أردنا أن نعبر تعبيرا سياسيا- إن “إرادة القوة” هي الاسم الحركي للحياة في صراعها الأنطولوجي ضد العدم والثبات.
العلاقة بين إرادة القوة والأبدية.
……………..
تتجلى هذه العلاقة عند نيتشه في مفهومين متداخلين: العود الأبدي والأبدية المقابلة.
في فكرة العود الأبدي (أظهرها في كتابه “العلم المرح” و “هكذا تكلم زرادشت” يتخيل نيتشه الكون يتكرر إلى الأبد بنفس التفاصيل الدقيقة. هنا تتجلى إرادة القوة الحقيقية فهي ليست مجرد قبول القدر بل الرغبة الفاعلة في تكرار كل شيء أي الموافقة الكاملة على الحياة بكل آلامها وفرحها.
نيتشه يميز بين نوعين من الزمن:
الزمن الخطي (الأفقي) و الزمن الدائري (العمودي)
تعد التفرقة بين “الزمن الأفقي” و”الزمن العمودي” في فلسفة فريدريك نيتشه مدخلا جوهريا لفهم رؤيته حول الوجود وبشكل أدق فهم نظريته الشهيرة عن “العود الأبدي”. نيتشه لا يستخدم هذه المصطلحات دائما بشكل حرفي أكاديمي لكن شروحاته وتحليلاته اللاحقة تؤسس لهذا التمييز بوضوح:
الزمن الأفقي عنده هو الخط المستقيم الذي تسير عليه البشرية- القطيع- في وعيها التقليدي ويتميز بالآتي:
أ. الخطية والغاية:
هو زمن يمتد من ماض سحيق نحو مستقبل منشود. في هذا الزمن كل لحظة هي مجرد “وسيلة” للوصول إلى لحظة تالية (الجنة في الأديان أو “التقدم” في الأيديولوجيات الحديثة).
ب. تفتيت القيمة: في الزمن الأفقي تفقد اللحظة الحاضرة قيمتها المستقلة لأنها دائما مثقلة بالندم على الماضي أو القلق تجاه المستقبل.
ج. زمن العدمية:
يرى نيتشه أن هذا النوع من الزمن يؤدي إلى “إرادة النفي” حيث نعيش حياتنا بانتظار شيء لن يأتي أو نهرب من حقيقة الوجود إلى وعود وهمية.
أما الزمن العمودي: لحظة الـ “نون” (الآن) العظيمة الزمن العمودي هو اختراق لهذا الخط الأفقي وهو ما يظهر في كتاب “هكذا تكلم زرادشت” عبر رمزية “بوابة اللحظة”.
يتميز الزمن العمودي بالعمق بدل الامتداد:
فبدلا من النظر إلى الزمن كمساحة ممتدة يُنظر إليه كعمق غائر في اللحظة الراهنة. الزمن العمودي هو تكثيف للوجود في الـ “الآن”. هنا تبرز فكرة العود الأبدي ليس كنظرية فيزيائية بل كأداة لاختبار ثقل الوجود. إذا كانت كل لحظة ستتكرر للأبد فإن كل “آن” يصبح عمودا ثابتا يحمل قيمة مطلقة.
فيه يتحول “هكذا كان” إلى “هكذا أردت”. في الزمن العمودي يمارس الإنسان “إرادة القوة” ليقبل بكل ما حدث وكل ما سيحدث كجزء من رغبته الخاصة مما يلغي نقمة الزمن الأفقي الذي “يمضي” ويتركنا خلفه.
الإنسان العادي يرى الزمن دائريا بشكل تبسيطي أو خطا مملا. أما “الإنسان الأعلى” فيقف عند نقطة الالتقاء (اللحظة) ليعلن أنها المركز الذي تلتقي فيه الأبدية.
الفرق إذن في التمييز عند نيتشه يكمن في الموقف الأفقي فهو يهرب من اللحظة نحو غايات خارجية (زمن الانحطاط).
أما العمودي فيغوص في اللحظة ويعتبرها غاية في ذاتها مباركا الوجود بكل تناقضاته وصراعاته (زمن الإثبات والبطولة).
هذا التحول من الأفقي إلى العمودي هو ما يسميه نيتشه “الاستحالة الثالثة” (تحول الروح إلى طفل) حيث يعيش الطفل في الحاضر بقدسية تامة دون شعور بعبء التاريخ أو غايات المستقبل.
في مقابل “إرادة الحياة” عند شوبنهاور التي تخاف الموت إرادة القوة لا تسعى للخلود كـاستمرار (الأبدية البيولوجية) بل للخلود كـكثافة (الأبدية الجمالية/الوجودية) و الإنسان الأعلى هو من يعيش بلا احتياط كأن كل لحظة هي الأخيرة والأبدية معا.
النقيض المركزي:
نيتشه يرى أن الأخلاق التقليدية والديانات تُضعف إرادة القوة بربطها بـهدف خارجي (الجنة، النجاة، التقدم). بينما: العود الأبدي يُلغي الهدف الخارجي فإرادة القوة تصبح غاية في ذاتها لأن القوة تريد المزيد من القوة فالأبدية إذن ليست نهاية بل حلقة لا نهائية من التجاوز الذاتي.
مهم أن نفهم أن الأبدية عند نيتشه ليست طولا في الزمن بل عمقا في اللحظة الحاضرة.
فإرادة القوة الحقيقية لا تريد أن تدوم بل تريد أن تبلغ ذروتها والذروة بحكم تعريفها هي لحظة أبدية.
للحديث بقية.