صائب خليل
حين قرأت “رأس المال” قبل أكثر من عقد ونصف من الزمن، شعرت انه بدون قراءة ماركس، فأن اية دراسة للاقتصاد ستكون مبنية على فراغ، وان المعلومات الاقتصادية، مهما كانت معقدة وذات شكل علمي، فهي في النهاية “كلاوات” غرضها تجنب الحقائق الأساسية. إنها حرمان للدارس من درسه الأول، من اسئلته الأولى التي تتيح له استيعاب الحقائق ووضع معانيها داخلها.
لذلك كنت ادهش حين اسأل اقاربي من الاجيال الجديدة، والذين درسوا الاقتصاد، فيما اذا كانوا قد درسوا ماركس ضمن منهجهم فيجيبون انهم درسوه كجزء هامشي تاريخي فقط. فاستنتج أن دراستهم كانت دراسة لـ “الكلاوات” لا أكثر.. (دون ان اخبرهم)
.
لماذا؟
لأن ما فعله ماركس هو تعليم البشرية على مكان الخلل الذي تستند اليه الرأسمالية. وبالتالي فماركس هو “السؤال” الذي يبذل الأكاديميون الرأسماليون جهدا كبيرا لتجنب طرحه، ويكافئون بجائزة اخترعوها لتعادل جائزة نوبل، لكل اقتصادي مراوغ، واحتفلوا بكل من يبدع في تفوه الهراء بشكل يبدو منطقيا، للدفاع عن الرأسمالية بما ليس فيها.
.
المشكلة في الرأسمالية ليست في كفاءة الانتاج، فقد امتدح ماركس نفسه ذلك بشكل كبير حتى ان الماركسيين دهشوا فيما قاله عنها في “المانفيستو الشيوعي”، إنما المشكلة الرئيسية التي تهرب الرأسمالية منها هي الكلام عن “توزيع الأرباح”! فلا تملك الرأسمالية نظرية لذلك يمكن ان تبين عدالتها. وكما بين السيد الشهيد محمد باقر الصدر، فأن النظام الاقتصادي يتكون من “مذهب اقتصادي” و “علم اقتصادي”. ورغم انهما يتداخلان لكن المذهب هو الموقف الاخلاقي للنظام الاقتصادي، وبالتالي يركز على “التوزيع” بالدرجة الأولى. والمذهب الرأسمالي مذهب لا اخلاقي بشكل لا يمكن انكاره، ولذلك يسعى المروجون للرأسمالية الى الهرب من مناقشة التوزيع، ويروجون بشكل فاضح لكل نظرية تقدم التوزيع الرأسمالي كأمر مقبول اخلاقيا او علميا، مهما كانت واضحة التفاهة.
.
من بين هؤلاء رجل ايطالي اسمه وليفريد باريتو، الذي جاء بنظرية في التوزيع يقول مبدؤها “ان زيادة كفاءة التوزيع ممكنة فقط عندما يستفيد بعض اصحاب الحصص، دون ان يتضرر أي أصحاب حصص اخرين من اعادة التوزيع”!
إن السخف في هذه العبارة يمكن ان يخرب عليه من الضحك، حتى شخص لم يكمل الابتدائية! فمهما كان التوزيع غير عادل، فلا يجب أخذ شيء من حصة أحد لإعطائها لآخر، إذا كان أي منهما سيتضرر! فإن لم يمكن ذلك فأن هذا التوزيع، مهما كان غير عادلا، هو “توزيع كفؤ” ومثالي لا يمكن “تحسينه”!
.
تخيلوا ان هذا السخف، سيدرس في الجامعات، وستقدم بحوث الدكتوراه فيه، وسيذيع صيت الرجل حتى ان موسوليني الذي عاصره، كذب ليدعي انه درس على يده! وكان باريتو نفسه معجبا بموسوليني والفاشية واطلق آراءا سياسية لا تقل في سخفها وضحالتها عن نظرياته الاقتصادية فقال “إنه من الوهم ان تستطيع الشعوب ان تحكم نفسها.. الطبقة الحاكمة كانت وستبقى موجودة للأزل”.
.
هذا ما كانت تفخر الرأسمالية به وأمثاله، بينما كرس ماركس حياته وضحى بسعادته ودفع ثمنا غاليا من أجل فقراء الناس من العمال، ودعوتهم لمعرفة قيمتهم في الانتاج وتوحدهم ليزيلوا هذه “الطبقة الحاكمة” القميئة التي تدافع الرأسمالية عنها، وامتدح “الملكية العامة للأرض” التي قال ان المسلمين أول من اعتنقوها، والحقيقة ان التقارب “المذهبي” الاقتصاد الإسلامي كما شرحه السيد محمد باقر الصدر، وما يدعو اليه ماركس تقارب كبير ومدهش، ومن واجب كل من الماركسيين والاسلاميين أن يعرفوا ذلك جيدا وان يعوا الفارق بين ما لديهم وبين السخف النظري للرأسمالية الذي يدرس في الجامعات، بل أن الانهيار في المفاهيم الاقتصادية هبط الى دون الرأسمالية نحو “اقتصاد العصابات” في زمن تطمح فيه اخلاقية العصابات الابستينية الى الاستيلاء على العالم.
.
قد يسأل قارئ: لماذا تقول أن ماركس هو من وضع علم الاقتصاد على اقدام اخلاقية؟ لماذا ليس الاقتصاد الإسلامي؟
نعم الاقتصاد الاسلامي على اقدام اخلاقية بالتأكيد، لكن الاقتصاد الاسلامي ليس علما، بل “مذهب” اقتصادي (راجع كتاب اقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر). فمن وضع الاسس العلمية لاخلاق الاقتصاد، ربما يكون ماركس، او على الأقل اكثر من اسهم في ذلك.
.
كانت قراءتي لرأس المال من امتع رحلات الوعي، ولذلك رسمت ماركس في اللوحة التي ترونها مرفقة.. وكل ذكرى وأنت حي في عقول الشعوب وقلوبها، عزيزنا كارل!